14-آذار-2013

العراق.. وجدوى مشروعات إعادة الإعمار

 

 

 

 

توم بيتر

كاتب أميركي

خلال فترة الوجود الأميركي في العراق التي استمرت تسع سنوات تقريباً، ضاع على الأقل مبلغ 8 مليار دولار أو ما يعادل 13.3 في المئة من نفقات إعادة الإعمار في ذلك البلد، وفقاً لما جاء في التقرير النهائي، الذي نشر الأسبوع الماضي من قبل «المحقق العام لإعادة إعمار العراق».

 

قدم التقرير تقييماً مفصلا للكيفية التي تم بها إنفاق مبلغ 60 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب الأميركيين في العراق خلال سني الحرب. من ضمن هذا المبلغ أُنفق 25 مليار دولار على التدريب، وتزويد القوات العراقية بالمعدات، في حين أُنفق الباقي على مجموعة من مشروعات التنمية تراوحت بين مشروعات بنية أساسية وبرامج لتطوير الحوكمة.

 

يقدم التقرير عدة دراسات، تكشف عن الإسراف وحجم الفاقد منها مشروع لبناء جسر وأنبوب غاز ونفط في شمال العراق نصح الجيولوجيون بعدم الحفر في نهر دجلة لأن التربة رملية هشة، ولكن المهندسين تجاهلوا التقرير وأنفقوا عشرات الملايين من الدولارات، قبل أن يتخلوا عن خطط الحفر في نهاية المطاف.

 

ومن المعروف أن برنامج إعادة الإعمار العراقي كان ثاني أكبر برنامج لبناء الأمم في تاريخ الولايات المتحدة حيث لم يسبقه في ذلك سوى إعادة إعمار أفغانستان الذي تقترب مخصصاتها من 100 مليار دولار.

 

شكك عدة عراقيين جرت مقابلتهم لمناقشتهم حول التقرير، في قيمة الأموال التي أنفقت وقالوا إنه حتى الأموال المعروف مصادر إنفاقها، لم تنفق بحكمة أو بالطريقة التي كان يمكن أن تحدث تغييرات دائمة في العراق. «لا توجد سوى أدلة قليلة ملموسة عن أي تأثيرات إيجابية لبرنامج إعادة الإعمار»، هذا ما كتبه محررو التقرير في معرض تلخيصهم لمقابلة مع وزير المالية العراقي رافع العيساوي».

 

وجاء في التقرير أيضاً:«كان من الخطأ تدشين أعداد كبيرة من برامج البنية الأساسية الموزعة على مساحة جغرافية، واسعة بدلا من التركيز على عدد معين من البرامج القيمة، المحددة الهدف».

 

وتلزم الإشارة إلى أن العيساوي من أبناء مدينة الفلوجة الواقعة في غرب العراق، والتي ظلت نقطة محورية بالنسبة للولايات المتحدة طيلة سني الحرب، وساحة لبعض من أشرس جولات القتال. في تلك المدينة أنشأت الولايات المتحدة وحدة لمعالجة مياة المجاري تكلفتها 108 ملايين دولار (ودفعت 99.8 مليون دولار من التكلفة الإجمالية).

 

وعندما اكتمل المشروع لم يوفر الخدمة سوى لـ38 في المئة من هؤلاء الذين قدر مصممو المشروع أنه سيخدمهم. وفي النهاية تحول هذا المشروع ليصبح سبباً رئيسياً من أسباب الإحباط للكثير من العراقيين. وما جاء في التقرير حول وحدة معالجة مياه المجاري المثيرة للجدل في الفلوجة، يسلط الضوء في الحقيقة على عدد من المشكلات، التي اكتنفت بمشروعات إعادة الإعمار في مختلف أنحاء العراق.

 

يبين محررو التقرير تلك المشكلات التي عانت منها المشروعات القائمة في مختلف أنحاء العراق بأنها تتمثل في « التخطيط المحدود، والحد الأدنى من الفهم لأحوال الموقع الذي سيقام فيه المشروع، والعمالة غير الماهرة، وعدم وجود فكرة واضحة عن تكلفة المشروع».

 

من باب المقارنة يقول العيساوي إن الكثير من العراقيين ما زالوا يحتفظون بذكريات إيجابية عن فترة الوجود البريطاني في الفلوجة خلال عقد العشرينيات من القرن الماضي منها أن البريطانيين بنوا جسراً مهماً على نهر الفرات ما زال يعمل بكفاءة حتى اليوم. يشار إلى أن حجم ونطاق مشروعات إعادة الإعمار في العراق كان، لحد كبير، نتيجة لتلهف العسكريين الأميركيين ونظرائهم المدنيين على شن حملة لمواجهة المقاومة العراقية.

 

واعتمدت استراتيجية الولايات المتحدة في ذلك الوقت اعتماداً كبيراً على التفريق بين السكان المدنيين وبين رجال المقاومة، ثم الحصول على دعم السكان المدنيين من خلال تزويدهم بالخدمات والمساعدات الأساسية. وخلال الحربين اللتين خاضتهما في العراق وأفغانستان استخدم الجنود الأميركيون وما زالوا يستخدمون مصطلح « توظيف النقود كسلاح».

 

ففي وصفه لمعركة الفلوجة الثانية عام 2004، كتب «ليونارد دي فرانسيسكي» المقدم بسلاح البحرية آنذاك مقالا في مجلة «ذي ميليتاري ريفيو» قال فيه «إن المارينز سعوا لتقويض المقاومة العراقية عن طريق استخدام سلاح قوي -هو سلاح المال- لدق إسفين بين رجال المقاومة والشعب، بما يساعد على كسب تلك المعركة الحاسمة».

 

وكتب «دي فرانسيسكي» في هذا المقال إن المارينز قد وزعوا في إطار برنامج محدد مقادير ضخمة من الأموال للمساعدة على توفير احتياجات العراقيين المباشرة وتسوية نزاعاتهم وينسب لذلك البرنامج فضل المساعدة على كسب دعم قطاعات كبيرة من السكان العراقيين للأميركيين.

 

هذا النوع من التفكير والاستراتيجيات كان سائداً طيلة الحرب العراقية حيث كانت القوات الأميركية في العراق تقوم دوماً بتنفيذ برامج مثل «مبادرات المنح الصغيرة»،التي كان الجنود الأميركيون يقومون بموجبها بمنح العراقيين نقوداً دون أن يمارسوا عليهم سوى إشراف محدود للغاية.

 

في توصياته النهائية يحث التقرير على تأجيل الإنفاق المستقبلي على مشروعات التطوير إلى أن يتم تحقيق قدر معقول من الاستقرار، مع قيام المشروعات بتقليص طموحاتها ونطاقها. كما يقترح أن تبدأ عملية الإشراف على المشروعات بمجرد البدء فيها.





التعليقات

إضافة تعليق

الاسم  
التعليق