06-أيار-2014

شكري الحديثي
المناضل يموت واقفا

 

 

 

 

 

ليث الحمداني

احاول بعدعدة ساعات من سماع الخبر ان استجمع قوتي لارثي صديقا مختلفا بكل المعايير ، صديقا عنوان صداقته الوفاء والصدق والامانة والصبر والقوة ...هكذا كان صديقي شكري الحديثي ..استرجع في هذه اللحظات اول لقاء لي معه  ...

قبل يوم واحد من ذلك اللقاء خرج الوزير الراحل طارق حمد العبدالله من غرفته ليستدعينا وليد لقمان وانا وليسلمنا كتاب ورده قبل دقائق مع بريد ديوان الرئاسة ،كان الكتاب امرا بتعيين شكري الحديثي الخارج من محنة السجن مديرا عاما في الوزارة ... قال لنا(رحمه الله)  : هذا امر تعيين شكري الحديثي هذا مناضل كبير انه اقدمنا في الحزب استقبلوه واحسنوا ضيافته واهتموا بكل شوؤنه ، انا ساستقبله مرة واحدة فقط وبعدها مارسوا كل صلاحياتي لتنفيذ متطلبات عمله .

في اليوم التالي جاء شكري الحديثي كان رجلا وقورا تلمح في وجهه مسحة من الحزن ولكن لاتلمح فيه اي لمحة انكسار ، لم يستمر لقاؤه بالوزير سوى دقائق اشر فيها مباشرته وخرج ليجلس في غرفة وليد لقمان الذي استدعاني الى غرفته من جديد ليقدمني له ، اصطحبته الى غرفتي واستلمت منه اوراقه ، جلبت له القهوة واتجهت للدائرة الادارية لاسجل امر مباشرته واعود له به ...

قلت له : ستداوم في مكتبي لحين تهيئة مكتب لك وساداوم انا في القاعة الملحقة بمكتب الوزير ...

حاول الرجل ان يعتذر فاصريت على موقفي، يروي هو لنا (وليد وانا) فيما بعد قائلا : اعتقدت انكما من الاجهزة الامنية ، وحين عدت الى البيت استفسرت ممن يعرفكما فكانت مفاجأة لي ذلك الاستقبال وتلك الاخلاق من اناس لااعرفهم  ، كانت تلك البداية لعلاقة صداقة عائلية ربطتني بالراحل  امتدت حتى وفاته .

 كان شكري الحديثي مناضلا صلبا لم تؤثر فيه سنوات السجن ولكنه ظل يحمل بين جوانحه اشارات حزن من اصدقاء ورفاق له تخلوا عن اسرته في محنته ، وكان لايتردد من الاعلان عن اسمائهم رغم مواقعهم الوظيفية والحزبيه ، ولايتسع المجال لاذكر هنا عشرات الحالات التي عشتها شخصيا وانا بمعيته في هذا المكان او ذاك يرد فيها على مواقف ذلك البعض دون كلام   جاءه مرة الى مبنى الوزارة وكنت جالسا معه من كان مكلفا بكتابة تاريخ حزب البعث العربي الاشتراكي قال له بحضوري : يقول الرفيق فلان عضو القيادة انه هو من رشح الرئيس السابق احمد حسن البكر لعضوية القيادة القومية في مؤتمر الحزب ...الخ فاجابه شكري حاسما : هذا كذب نحن من رشح البكر فلان وفلان وفلان وانا!!

 قلت له بعد خروج المكلف : ياابا محمود لماذا تعرض نفسك لمشكلات غير محسوبة بعد كل تلك المحنة ؟

قال لي بحسم : هذا تاريخ .

كان الحديث عن محنة السجن يأخذنا بعيدا حين نجلس في بغداد او عمان ساعات طويلة في بيته ، يوصلنا الى الواقع الذي وصل له العراق اليوم ..

اول مرة سمعت بمصطلح (مجتمع الشركات) كان من شكري الحديثي حين بدأت قيم المجتمع واخلاقياته تهتز تحت طائلة تراكم الارصدة والجشع والرغبة بالربح على حساب الناس ، كان يردد دائما جاءنا مجتمع الشركات .

 ظل شكري الحديثي يحمل في قلبه وعقله وذاكرته الكثير عن القضية الكردية والكرد عرض علي مرة رسالة من  القائد الكردي مصطفى البارزاني يقول له فيها : (انا اثق بك ياستاذ شكري لانني اعرف انك رجل ) وكان يعتز بمحاولاته لتثبيت السلام في المنطقة الكردية ابان عمله محافظا في السليمانية وكركوك ، بل انه كان اول بعثي قيادي (كما سمعت من طارق حمد رحمه الله) يهاجم الحلول الامنية للقضية الكردية  في اجتماع ترأسه الرئيس البكر وبحضور النائب يومها صدام حسين وكان قد استدعي للوقوف منه على الاوضاع  في المنطقة حيث اشار بيده الى ناظم كزار الذي كان حاضرا لنفس السبب وقال للبكر (ابعدوا هذا الرجل عن الملف الكردي وانا كفيل بحل جميع المشكلات) وقد روى لنا هو بنفسه هذه الحادثة بعد ذلك ، ولاشك ان في اوراق الراحل الكبير الكثير من الحقائق التي قد ترى النور في يوم ما . ولقد حافظ الحديثي على علاقاته مع العديد من الشخصيات الكردية وقد قال امامي اكثر من مرة عن الكرد (انهم الاصدقاء الاكثر وفاء لي ايام محنتي في السجن)

كما كان يذكر  باعتزازمواقف لرفيقه شفيق الكمالي ايضا .

ظل شكري في ذاكرة صدام حسين وحين التقى الوزير الراحل طارق حمد بصدام في احد المرات ساله (كما روى لنا الوزير وليد لقمان وانا ) عن شكري الحديثي قائلا : كيف حال شكري الحديثي وهل هو راض عن عمله؟

قال الراحل : اجبته بخير وهو يعمل بجد في موقعه كمدير عام في الوزارة .

اجابه صدام باسما : انت لاتعرف شكري هو يرى نفسه اكبر مني ومنك !!

وحين نقلنا الامر لشكري قال :  لايريد الرجل ان ينساني !! ماذا افعل ؟

بعد الاحتلال كان موقف شكري الحديثي واضحا لايقبل الالتباس رفض كل العروض التي قدمت له للحديث عن تجربته في الحزب وفي السجن بعد المؤآمرة المزعومة ، ظل يدافع عن الفكر القومي في جلساته ولكنه ينتقد سياسات البعث في السلطة والحكم ورفض الظهور في اية وسيلة اعلامية رغم الاغراءآت التي قدمت له ، كان يقول ان البلد في محنة ولن اسمح لنفسي ان اكون جزءآ في هذه الحملة التي تستهدف الوطن ... وظل يتابع مايكتب من مذكرات ويمكن ان يكون آخر كتاب قرأه هو كتاب الاستاذ عبدالستار الدوري فقد طلب مني قبل اسابيع ان آتيه برقم هاتف الكاتب من شقيقه صديقي سيف الدوري وقد فعلت .

كان شكري الحديثي يتمنى في جلساتنا الطويلة ولقاءآتنا المستمرة ان يموت واقفا  ، وبالامس تحققت امنيته سقط بين افراد اسرته وهو يتكلم ، كان عائدا من صلاة الفجر في المسجد القريب من بيته في عمان بعد ان مارس رياضته اليومية المشي مع السيدة العظيمة ام محمود.

رحم الله شكري الحديثي الانسان والصديق والمناضل الذي ظل صلبا وتحمل الكثير في حياته على ايدي ابناء حزبه ولكنه رفض ان يكون اداة بيد اعوان الاحتلال ، والعزاء لرفيقة دربه السيدة العظيمة ام محمود وللاعزاء محمود واحمد وبشرى وذكرى ويسرى والى الاستاذ ناجي الحديثي واخوانه ولكل من عرف ابو محمود واحبه  .

 

 





التعليقات

الاسم كردستاني
التاريخ 13/06/2015 01:45:41 م
التعليق رحمه الله

إضافة تعليق

الاسم  
التعليق