المرحوم الفريق الركن الطيار الحكم حسن التكريتي

01-حزيران-2015

الفريق الركن الطيار الحكم حسن التكريتي
نسر هوى صعودا في سماء الوطن

 

 

 

بقلم: د. مناف حسن التكريتي

في التاسع عشر من نيسان 2015 غيب الموت نسر من نسور العراق البواسل الفريق الركن الطيار الحكم حسن علي التكريتي. وبمناسبة مرور اربعين يوما على وفاته اكتب هذا الرثاء لأخي الحبيب لعله يخفف عني بعضا من لوعة الحزن والفراق الذي اصابني بفقده.

 

أخي الحبيب أبا مصطفى يا رفيق الطفولة ويا رفيق الصبا ماذا أكتب عنك في فراقك المفاجئ؟ أأكتب عن ذكريات طفولتنا التي عشناها حينما كنا نتنقل في ربوع الوطن من مدينة الى أخرى بحكم مهنة المرحوم الوالد أم أكتب عن ذكريات صبانا والتي لم نعشها كما ينبغي فقدانغمسنا في العمل الحزبي ونحن لما نزل في سن يافعة. وبرغم قساوة تلك المرحلة من حياتنا فقد كانت ذكريات حبيبة سواء الحلو منها أو المر. فلا زلت أتذكر ذلك المشهد وانت توزع المناشير الحزبية على الدراجه الهوائية في منطقة كان فيها الكثير من المعادين لأفكارنا آنذاك وكانوا يطلقون عليك لقب ابو الشعر الأصفر مما أضطرنا الى اعطائك غطاء للرأس (كلاو) كي لا يتعرفوا عليك كلما مررنا بهم. كما اتذكر ونحن طلبة في المتوسطة كيف كان بعض من الطلبة يلوحون بالحبال لنا يبتغون سحلنا وذلك بعد فشل حركة الشواف في العام 1959 وكأننا نحن من قام بها.

 

أخي الحبيب

لقد كنت منذ نعومة أظفارك مقداما لا تعرف الخوف ولا تهابه ولديك روح التحدي. تعلمت الرماية في سن مبكرة والسباحة وكذلك قيادة السيارة ثم بدأت تتطلع لقيادة الطائره وانت في سن مبكرة. لم تفارقك طيلة حياتك خفة الظل والابتسامه الرقيقة واطلاق النكات الحلوة التي لا يحسن اطلاقها احد سواك حتى وأنت في أصعب الظروف. كنت كريم النفس سخي العطاء لم يجد الطمع الى قلبك مكانا.عندما تدخل البيت تملأه بهجة وسرورا. كنت أبنا بارا وأخا كبيرا وحنونا لجميع أخوانك وأخواتك وبرا بوالديك رحمهما الله فجزاءك الله عنهما خير الجزاء.

 

أتذكر جيدا كيف تملكك الولع في حب الطيران ونحن لا زلنا طلابا في أعداديه الحلة وكان المرحوم الوالد يرفض ذلك خوفا عليك من مخاطر الطيران وكنت أنا كذلك الى ان اقنعتني بالوقوف معك لأقناع الوالد بالموافقة على الألتحاق بالقوة الجوية وقد تحقق لك ما كنت تريده. وأتذكر كيف كنت أوصلك انت ورفاقك الى محطة القطار للسفر الى البصره حيث القاعده الجوية في معسكر الشعيبة وبعد تخرجك كنت اوصلك الى قاعدة الحبانية أحيانا حيث مقر عملك الأول. أتذكر كم كانت فرحتك وسعادتك لا توصفان حينما أخبرتني بأنك كنت ألأول في دورتك الذي يقود طائرة الهوكرهنتر البريطانية بمفرده اي من دون المدرب والتي تسمى بلغة الطيارين (السولو). وأتذكرك حين أبلغتني في حرب حزيران 67 ان سربكم سيتحرك الى قاعدة ايج ثري ليكون قريبا من ارض المعركة وقد كنت يومها فرحا للمشاركة في معركة حقيقية، كما رجوتني ان لا أخبر أبواي بذلك كي لا يقلقوا عليك. لم تكتف بذلك بل قررت التعلم على قيادة الميك 21 الروسية لأنها أكثر فعالية في مناورات القتال الجوي فانتقلت الى قاعدة الرشيد في بغداد وحققت ما كنت تصبو اليه.

 

أخي الحبيب

لم يدر في خلدي حين ودعتك في ايلول العام 2003 وانت تغادر ارض الوطن الذي افنيت جل حياتك في خدمته ان يكون ذلك الوداع هو وداعنا ألأخير. ما اصعبها من لحظات مرت علينا حين ترقرقت عيوننا بالدموع ونحن نعانق بعضنا بعضا وكأنما أراد القدر أن يخبرنا بأن لا لقاء بعد الآن.

 

لقد جربت الغربة والهجران والبعد عن الوطن والأهل وقسوة الحياة، كلها شئ بغيض ووجع مرير لكن هذه الأوجاع بالأمكان مداواتها بالوله والشوق وألأمل بالرجوع وبالدموع أحيانا أخرى غير ان لا أمل في الرجوع حين الأصطدام بحقيقة الموت. أن الموت يتسلل الينا خلسة ويختطف منا أعزاءنا واحدا بعد الأخر دون أنذار فهو كما قيل سابقا هادم اللذات ومفرق الجماعات.

 

أخي الحبيب

لم يعد قلبك الأبيض النقي يحتمل مشاهدة ومتابعة ما يحدث يوميا من مآسي ونكبات في وطنك العزيز الذي افنيت عمرك انت ورفاقك ألأبطال في الدفاع عن عزته وكرامته. لم يستطع قلبك ان يتحمل رؤية الوطن وقد اصبح مرتعا للدخلاء وساحة للغزاة ولقمة للطامعين بينما كنت انت ومن بقي على قيد الحياة من رفاقك تعيشون في المنافي.وهذا مما يحز في النفس حين نراك انت ورفاقك الفرسان الذين افنوا حياتهم في حب الوطن والدفاع عنه وهم يطوفون شتى المنافي طمعا في ملاذ آمن لهم ولعوائلهم يمكنهم من حفظ كرامتهم والعيش فيه لما تبقى لهم من عمر بينما يستوطن الأغراب في وطنكم الحبيب. فواعجبي كيف يبنى الوطن وهو يحكم بعقلية الحقد والكراهية والى متى سيبقى العراق ينزف دما؟

 

نعم أخي الحبيب لم يستطع قلبك تحمل كل ذلك فآثرت الرحيل على ان تشاهد وطنك ممزقا تتقاذفه ألأهواء والمصالح والطائفية البغيضة.

 

لقد رحلت عنا يا أخي الحبيب قبل ان القاك مره اخرى ولكن ليس لنا في ذلك مشيئة أو خيار انها مشيئة الله تعالى (وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى اذا جاءكم أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون).

 

أخي الحبيب

أن العين لتدمع وان القلب ليخشع وانا بفقدك يا أبا مصطفى لمحزنون ولكن لا نقول ما يغضب الرب.

 

ختاما أسأله تعالى ان يتغمدك برحمته الواسعة وان ينزلك دارا خيرا من دار الدنيا ويجمعك بصحبة خيرا من صحبة الدنيا وان ينقيك من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وان يغسلك بالماء والثلج والبرد وان يلهمنا نحن أهلك واحباءك الصبر والسلوان على فراقك ولنا في ذريتك الصالحة نور وسرى وفرح ومصطفى وامهم الفاضلة حفظهم الله خير سلوى تخفف عنا لوعة الحزن والفراق وانا لله وانا اليه راجعون.





التعليقات

إضافة تعليق

الاسم  
التعليق