رباح آل جعفر

20-حزيران-2015

رسالة إلى الصديق الدكتور طه جزاع
من ستالينغراد إلى حديثة

 

 

 

 

 

صديقي الكبير طه جزاع :

قرأت مقالتك الجميلة عن حصار مدينة حديثة وهي تتعرض للمجاعة ، فشعرت بالأسى ، وتحدرت من عينيّ دمعتان ، وانفرطت حبّات القلب . تذكرت ستالينغراد في ذروة المأساة الإنسانية . دعنا نسميها حديثة غراد . وأخذني الحنين بعيداً إلى قرية طاب فيها المقام ، في زمن كانت لنا أحلام تأكل ، وتشرب ، وتمشي ، وتنام .

هل تتذكر يوم جلسنا في السنوات الخوالي على صخرة وسط نهر الفرات ؟ مرّ زمن طويل كأنه دهر منذ التقينا كلانا هناك . كان الجرح في بدايته ، والحزن في بدايته ، ونحن نبحث عن فردوسنا المفقود .

كنّا نراقب سرب طيور مهاجرة في حمرة الغسق . ثم تبدّى أمامنا سرب آخر من الحمام فوق حصى مصقولة قبالة الشاطئ . كانت حديثة يومها تفتح لنا باب الماهيّات في الوجود . مثل عشتار في سومر ، أو مثل عشتروت عند الفينيق . وكان الفرات يومها يتدفق من حولنا كالسيل العرم . يدفع أمواجه الصاخبة المتموجة ، متلاحقة ، متتابعة . والسماء ذات انعكاسات من ألوان قزحية تبعث البهجة في النفس الحزينة . هل تعلم أن النهر في حديثة قد جفّ هو الآخر ، وأصبح مجرد ساقية شحيحة ؟ هل تعلم أن المدينة خلف المتاريس أصبحت أشبه بقفص بلا طيور ؟!.

أعرف يا صديقي أن الصور الإنسانية لا تموت في الذاكرة . أعرف أن من يستدعي ذكرياته يُصاب بمرض الحنين الجارف . دعني أسألك بمقدار محبتي لك : هل بقي في القلب موضع لشوق قديم ، وتذكارات عزيزة ، وصور معلّقة على الحيطان ، ووردة منسيّة في كتاب ، وحنين ، وحبيب غائب ؟!.

ماذا سنقول لبكاء العصافير ؟ ماذا سنقول لأنين ناعور يعاتبنا من بعيد ، مثل عاشق مهموم يغنّي عذابه على الربابة ؟!.

لعلك تعلم أن الناس في حديثة بدأوا نسيان مواعيد الطعام والشراب والدواء ، لأنهم بلا طعام ، ولا شراب ، ولا دواء ، ولا كهرباء ، ولا ماء ، ولا إله إلا الله . السعيد منهم من يظفر بوجبة طعام واحدة في اليوم وهي لا تعدو عن قضم كسرة خبز يابسة . تعصف بهم غوائل الجوع ، ولا يملكون شروى نقير . أحياناً يأخذ البدر شكل رغيف الخبز في عيون أهلها ، بل هناك من أطفالها من يتخيّل الهلال في السماء على شكل فاكهة الموز ، ويتمنى لو يستطيع التهامه . أقسم لك ، يا صديقي ، ليس هذا وصف مبالغة ، ولا خيالاً شعرياً . ولا لوحة سريالية . هذه حكاية حدثت مع أحد أطفال البلدة البارحة . هل تلاحظ حتى الحلم في حديثة أصبح حلماً هو الآخر ؟!.

إنها حديثة . صرخة ضمير في وطن بلا ضمير . حديثة التي تملك أحلى حاء في اللغة العربية انقطعت عن الزمان والمكان ولا زالت تدافع عن وجودها . لا تاريخ للأيام في هذه المدينة . الوجوه غائمة ، والطرقات مرتبكة ، والنوافذ حزينة . إنها في عزلة تامة عن العالم إلا عن ربّها ، فلا زالت تستمسك بالعروة الوثقى ، وتتلو ما تيّسر لها من آيات القرآن الكريم .

إنها حديثة توحي لمن يراها اليوم بسبعة قرون عجاف من القحط لا سبع سنين ، في زمن تعمى عيون هذا العالم التافه عن أصناف الطيّبات من فائض الطعام والشراب في سهرة حافلة بالعربدة .

وأنا أقرأ في مقالتك يا صديقي العزيز ، شدّني شوق غريب إلى حديثة وأهلها . ليست حديثة هي الجنة ، لكنني لا أرى الجنة إلا في حديثة .. ثم تلفتت عيني مع الشريف الرضي ، فمذ خفيت عنّي الطلول تلفّت القلب .





التعليقات

إضافة تعليق

الاسم  
التعليق