ابو هدى متوسطاً هارون محمد وسلام الشماع، في اخر زيارة له الى عمان شتاء 2014.

03-أيلول-2015

ذكريات صحفية وسياسية
وحديث عن المرحوم (ابو هدى)

 

 

 

بقلم: هارون محمد

ليس من السهل الكتابة عن الزميل والصديق ضياء عبدالرزاق او (أبو هدى)، اللقب والكنية اللذان بقينا نناديه به حتى بعد استشهاد هدى مع شقيقها علي رحمهما الله مطلع عام 2005 علي ايدي عصابة شيعية حقيرة مع ما يثيره هذا الاسم في نفسه من اوجاع وأسى، ولكنه لم يتخل عنه ابداً، فهذا الرجل يحمل قلباً صافيا وصبراً عجيبا وروحاً أنيسة مع ملامح وجهه الصارمة وشاربيه الغليظين وضخامة جسمه وهي سمات دعت المحبين له الى اطلاق تسمية (كاسترو الصالحية) عليه عقب حركة 8 شباط 1963 حيث تسلم مسؤولية قوات الحرس القومي في المديرية العامة للاذاعة والتلفزيون بمنطقة الصالحية في كرخ بغداد.

 

وعندما أعود الى اول لقاء جمعني مع ابي هدى قبل اثنين وخمسين عاما، فان صورته ما زالت حاضرة في ذهني وهو بهيئته المخيفة وبدلته العسكرية التي كان يرتديها على طريقة الزعيم الكوبي فيديل كاستروا وصوته المدوي وهو يسألني وقد بدت على وجهه دهشة واضحة (لم يكن وقتها يستخدم نظارات طبية) وماذا تريد ان تشتغل في الاذاعة والتلفزيون؟ وبسرعة أجبت: مذيع استاذ! وضحك الاستاذ وقال لي ولكنك ما زلت صغير السن، وفي نبرة تحد قلت له انا مستعد للاختبار! وتجهم وجهه هذه المرة وقال بلهجة ناصحة: أخي.. شكل المذيع ضروري واتقان اللغة وحسن الالقاء لا يكفيان وانت تحتاج الى سنتين ثلاثة واهلا بك، وخرجت من عنده وانا أجر أذيال الخيبة وشتمته في سري.

 

كنت قد حدثت شقيقي الاكبر المرحوم عبدالملك وكان عسكريا  استعان به اصدقاؤه البعثيون لتنظيم ادارة مقر قيادة الحرس القومي الرئيسي في منطقة الصرافية في الطريق الى الاعظمية رغم انه لم يكن بعثياً وانما لديه خبرة وتجربة في الادارة والتموين والنقل لاشتغاله سنوات طويلة في دائرة التموين والنقل العسكرية بمعسكر ابو غريب وثكنة وزارة الدفاع، وكان على صلة طيبة مع احد قادة الحرس عطا محيي الدين رحمه الله ان كان ميتاً ومتعه بالصحة اذا كان حياً، فقد أسر خلال الحرب الايرانية على العراق وانقطعت اخباره، ومنه تسلمت قصاصة ورق (رسالة واسطة) الى صديقيه ورفيقيه عبدالستار الدوري المدير العام للاذاعة والتلفزيون وضياء عبدالرزاق مدير الادارة لمساعدتي وما زلت اذكر انه عنونها الى (حبيبي ستوري) و(اخي ضياوي) تحبباً وميانة، وشاء حظي العاثر ان اقابل ضياء واعود محبطاً.

 

وبعد سنوات وتحديدا في مطلع 1968 التقيت من جديد مع ابو هدى في مبنى جريدة (المواطن) ورأس تحريرها المحامي محمد الحديثي وكان موظفا كبيرا في وزارة الداخلية وهي احدى الصحف اليومية التي صدرت عن المؤسسة العامة للصحافة والطباعة عقب تأميم الصحف من قبل حكومة الفريق المرحوم طاهر يحيي وكان وزير الارشاد فيها مالك دوهان الحسن ورأس المؤسسة المرحوم غربي الحاج احمد وكيل وزارة التخطيط، فقد كنت على موعد مع زميلنا ثامر الفلاحي أحد محرري الجريدة التي الحق بها ضياء العائد من سوريا عقب نكسة حزيران 1967 وترأس فيها قسم التصميم والاخراج.

 

وكنا نستعد للانتخابات السنوية لنقابة الصحفيين التي ترشح لرئاستها المرحوم عبدالعزيز بركات صاحب جريدة (المنار) التي تحولت من يومية الى اسبوعية عقب تأميم الصحافة ومعاذ عبدالرحيم مدير تحرير صحيفة (الثورة) ورئيس تحريرها حازم مشتاق، فيما رشح الزميل ضياء نفسه لعضوية الهيئة الادارية للنقابة وكان في تلك الفترة يتولى موقعا قياديا في حزب البعث (اليساري) الموالي للقيادة السورية وامين سر قيادته القطرية الدكتور فؤاد العاني.

 

وفاز بركات واحتج معاذ واتهم النقيب الجديد بشراء الاصوات في تبرير خسارته ولم يؤيده في حجته غير الزميل المرحوم لطفي الخياط الذي خسر هو الاخر عضوية الهيئة الادارية بينما اظهرت نتائج الفرز تعادل ضياء والزميل حيدر الفياض في عدد الاصوات مما اضطر اللجنة المشرفة على الانتخابات الى اجراء قرعة بين الاثنين اسفرت عن فوز حيدر واصبح ابو هدى عضو احتياط اول.      

 

 وحدث انقلاب او ثورة 17 تموز 1968 وتعرض الصحفيون القوميون الى سلسلة من المضايقات ابرزها قرار غريب اصدره المرحوم عبدالله سلوم السامرائي وزير الارشاد الجديد الذي جاء عقب اقالة الوزير السابق طه الحاج الياس واعتقاله في 30 تموز  1968 وفيه ينذر ستة صحفيين بالاستغناء عن خدماتهم نهاية الشهر ويدعوهم الى البحث عن عمل آخر خارج المؤسسة العامة للصحافة والطباعة وكان رئيسها يومئذ منذر عريم ومدير ادارتها كريم المطيري والصحفيون الستة هم : عبد القادر البراك ومحمد حامد وزكي السعدون وهادي محمد جواد وابراهيم خليل العاني وهارون محمد، وللتاريخ فان الثلاثة الاول (البراك وحامد والسعدون) كانوا من ابرز الصحفيين المهنيين في عقد الستينات ولم يرتبطوا بتنظيمات قومية مثل الثلاثة الاخرين.

 

وذهبت ابحث عن ابو هدى لتوسيطه لدى صديقه ورفيقه القديم المرحوم زكي الجابر الذي تولى ادارة احدى مديريات الوزارة قبل ان يصبح وكيلا لها، واكتشفت بانه معتقل واضطررت الى مقابلة الوزير السامرائي الذي استقبلني بسيل من الاتهامات مفادها بانني من جماعة حركة 18 تشرين الثاني 1963 التي يسميها البعثيون بـ(الردة) ولم أتحمل اتهاماته وكنا شبابا نفور حيوية وعنفوانا فرددت عليه بسخرية وتهكم وقلت له هل انا تسلمت نيابة رئاسة الجمهورية او وزارات الدفاع والصحة والمواصلات والمعارف عقب ما تسميها بالردة، وكنت اقصد تذكيره بالقياديين البعثيين احمد حسن البكر نائب رئيس الجمهورية والعميد حردان التكريتي والدكتور عزة مصطفى والعقيد عبدالستار عبداللطيف والدكتور احمد عبدالستار الجواري الذين تولوا وزارات الدفاع والصحة والمواصلات والمعارف في اول حكومة رأسها الفريق طاهر يحيي عقب الحركة.

 

وتدخل منذر عريم وهو المعروف بدماثة الخلق وحسن السيرة واستأذن الوزير السامرائي باتخاذ اجراء لحل مشكلتنا حيث اصدر امرا اداريا بتنسيب كل من: هادي محمد جواد الى مديرية ارشاد المنطقة الشمالية في كركوك وابراهيم خليل العاني الى مديرية ارشاد منطقة الفرات الاوسط في الحلة وهارون محمد الى مديرية المنطقة الجنوبية في البصرة، فيما تم نقل عبدالقادر البراك ومحمد حامد وزكي السعدون الى ديوان المؤسسة وكانت ما تزال في شارع الجمهورية بمنطقة السنك.

 

وفي احدى اجازاتي الى بغداد وزيارة ديوان المؤسسة التقيت مع ابو هدى الخارج من المعتقل وكان مريضا وبدا الشحوب على وجهه وتبادلنا الحديث في السياسة كالعادة وكانت تلك الفترة قد شهدت بروز (التحالف الثلاثي) كقوة سياسية معارضة جمعت الحركة الاشتراكية العربية بقيادة المرحوم فؤاد الركابي وحزب البعث اليساري برئاسة فؤاد العاني والحزب الشيوعي وسكرتيره العام عزيز محمد، ويتعاون مع التحالف دون ان يكون عضوا فيه الحزب الديمقراطي الكردستاني/ جناح ابراهيم احمد وجلال طالباني.

 

وعلمت بان الحزب قد جمد ضياء مؤقتا في اجراء احترازي كانت الاحزاب تتخذه عند الافراج عن اعضائها المعتقلين.

 

وفي شتاء عام 1969 وانا في البصرة فوجئت باسمي مدرجا في قائمة انتخابية لخوض انتخابات نقابة الصحفيين نشرتها صحيفة (النور) التي كان يشرف على تحريرها جلال طالباني وكانت القائمة برئاسة الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري ونائبه سعد قاسم حمودي وعضوية جليل العطية ولطفي الخياط وفائق بطي وشمران الياسري ومحمد الطيب وسربست بامرني وهارون محمد.

 

وجئت الى بغداد وذهبت الى مقر نقابة الصحفيين مباشرة وكان في منطقة العلوية في مكان المسرح الوطني الحالي منحه للصحفيين وزير الداخلية وقتئذ المرحوم صالح مهدي عماش لاتبين الامر، وفيه قابلت اولا الزميل فلاح العماري وكان وقتذاك احد ابرز الكتاب السياسيين في صحيفة (الثورة) ويذيل مقالاته بتوقيع (ف ع) وخاصة تلك التي تنتقد الحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة الملا مصطفى البارزاني، ووجدت فلاحا في غاية الغضب ويشكك بصحة نشر خبر القائمة الانتخابية، في حين وجدت ضياء هادئاً عندما التقيته حيث سحبني الى زاوية في حديقة المقر وطلب مني الانسحاب من القائمة لانه لا يصح ان أمثل الحركة الاشتراكية العربية حليفة حزب البعث (اليساري) في هيئة ادارية لنقابة يقودها حزب البعث (اليميني) ولما استفسرت عن اسمي فائق بطي وشمران الياسري قال انه يعتقد ان الحزب الشيوعي في طريقه الى مغادرة التحالف.

 

واكتشفت ان القائمة التي نشرتها (النور) وحدها كانت بتدبير من الحزب الشيوعي الذي كان يفاوض حزب البعث الحاكم سراً واراد جس نبضه في قضية انتخابات نقابة الصحفيين كمقدمة لمعرفة نواياه للتعاون في نقابات وميادين اخرى، وتلاشت القائمة بعد فترة وجيزة من نشرها وتشكلت هيئة مؤقتة للنقابة برئاسة سعد قاسم حمودي وصدقت توقعات ابو هدى، وانهار التحالف الثلاثي بعد اعتقال قادة وكوادر الحركة الاشتراكية وحزب البعث اليساري الذي اطلق الحزب الحاكم على اعضائه تسمية (المنشقين) ومن حسن ظن ضياء انه كان مجمداً ولم يعتقل، حيث اعتقل من كوادر حزبه من الاعلاميين والصحفيين صلاح المختار مسؤول الاعلام في قيادة فرع بغداد للحزب ومليح ابراهيم صالح شكر مراسل وكالة الانباء السورية (سانا) في بغداد ومحسن خضير المحرر في وكالة الانباء العراقية (واع) والنقيب المهندس هاني وهيب النداوي الذي اصبح فيما بعد مديرا عاما في جريدة الثورة وسكرتيرا صحفيا للرئيس الراحل صدام حسين، وتلاشى حزب طالباني بعد صدور بيان 11 آذار 1970 واستمر الحزب الشيوعي في مفاوضاته مع البعث ليشكلا الجبهة الوطنية والقومية التقدمية في عام 1973.   

 

 




التعليقات

إضافة تعليق

الاسم  
التعليق