31-آذار-2016

عبدالرحمن النقيب من الحضرة الكيلانية الى رئاسة أول حكومة عراقية

 

ولد عبدالرحمن النقيب في بغداد عام 1841 لعائلة دينية من ذرية الشيخ عبد القادر الجيلاني (الكيلاني) تقلد افرادها رئاسة نقابة الاشراف الهاشميين في العراق.

 

كان عبد الرحمن النقيب الكيلاني من اشد المتمسكين بالخلافة العثمانية ومن المقربين للسلطان عبد الحميد الثاني ولقد ناصره بشدة في منع اليهود من الاستيلاء على فلسطين وهذا مشهور ويحسب له ولكن بعد زوال العثمانيين واحتلال الإنكليز والفرنسيين للعراق واغلب الدول العربية والاسلامية أصبح الوضع معقدا جدا في المنطقة العربية وخصوصا في العراق حيث واجه النقيب انطلاقا من مكانته الدينية ومنزلته الشعبية هذا الوضع بذكاء سياسي منقطع النظير حيث رفض عرضا من الانجليز في ان يكون ملكا على العراق لكنه وافق ان يكون رئيسا للوزرا ء لادارة شؤون العراق وحرصا منه وهو الرجل السبعيني على بناء دولة عراقية حديثة.

 

بعد أن انتهى مؤتمر القاهرة الذي اشرف عليه وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل عام 1920 م الذي قرر اهمية تشكيل حكومة عراقية مؤقتة او انتقالية تتولى ادارة شؤون العراق لم يجد المندوب السامي البريطاني بيرسي كوكس شخصية عراقية تحظى بالاحترام من اغلب العراقيين غير عبدالرحمن النقيب لرئاسة الحكومة والتمهيد لتشكيل المجلس التاسيسي  وانتخاب ملك على عرش العراق، وانشاء الوزارات والمؤسسات والدوائر العراقية واختيار الساسة العراقيين لتولي مهامها. وقد أعلنت بريطانيا رسميا عن رغبتها في إقامة ملكية عراقية حيث اجمع العراقيون من خلال مجلسهم التأسيسي وعشائرهم ونخبهم على اختيار الأمير فيصل بن الشريف حسين ملكًا، وتحقق ذلك في 23 آب 1921.

 

كان اول عمل يقوم به النقيب وهو يرأس اول حكومة عراقية هو وضع خارطة تنظيمية جديدة للعراق وهو تحت الانتداب البريطاني تضمن السيادة لاراضيه ووحدة شعبه عبر انشاء وحدات إدارية تتألف من الوية واقضية ونواحي، وهي خطوة عدها المؤرخون والباحثون اعظم انجاز على بقاء العراق موحدا خصوصا وان النقيب أصر على ادخال لواء الموصل في الخارطة الجديدة للعراق رغم ان اللواء كان ما زال خاضعا للادارة التركية قبل ان يلتحق بالوطن نتيجة اجماع الموصليين على البقاء في العراق ورفض الالتحاق بدولة كمال اتاتورك التي خلفت الدولة العثمانية.

 

كما اتخذ سلسلة اجراءات لترصين الدولة الحديثة ابرزها:  قرار إطلاق سراح الوطنين المبعدين إلى الهند واصدار عفو عام، واستدعاء الضباط العراقيين الذين عملوا في الحجاز وسوريا خلال الثورة العربية الكبرى 1916 وتعيينهم في مرافق الدولة، وإنشاء الدواوين والوزارات والدوائر الحكومية، وتعزيز هوية العراق العربية والاسلامية وربطه بمنظومة حسن جوار وعلاقات طيبة مع البلدان المجاورة ودول المنطقة والعالم.

 

ولعب النقيب رغم كونه واحدا من العلماء الأعلام حيث أخذ العلم ونهل من مناهل الأدب على نخبة ممتازة من علماء عصره، منهم العلامة عيسى البندنيجي، والشيخ عبد السلام مدرس الحضرة الكيلانية، وغيرهم من مشايخ وعلماء بغداد، الا انه قاد الحكومة العراقية الاولى بتجرد وتواضع ونزاهة حتى ان مجلسه في الحضرة الكيلانية أو في قصره الواقع على نهر دجلة في محلة السنك كان يستقبل العراقيين من جميع الالوية (المحافظات) ويتشاور معهم ويناقش مع وجوههم وشيوخهم ومثقفيهم شؤون العراق، وينقل معاصروه عنه انه كان يلقي محاضرات في ليالي رمضان  بعنوان(المجالس في المواعظ)  على زائريه ومريديه كما يقول ابراهيم الدروبي في كتابه (نقباء بغداد).

 

لقد عارض النقيب الاحتلال الإنجليزي في العراق بفتوى شرعية هي عدم حقهم في حكم العراق، وينقل عنه انه ابلغ المسز بيل سكرتيرة المندوب السامي انني اعترف بانتصاراتكم، وانتم الحكام وانا المحكوم، ولكن ذلك لن يدوم وانكم قد تفهمون صناعة الحكم ولكن لا تفهمون ارادة الشعوب الكارهة لكم ، وقال ايضا: انكم بذلتم الأموال والنفوس في سبيل ان تحتلوا بلادنا ولكن لنا الحق في الثورة ضدكم.

 

وتنقل المسز بيل في رسائلها ان النقيب كان يقول رأيه بشجاعة وصراحة وتتذكر انها ذهبت اليه في شباط 1919 قبل سفرها الى لندن موفدة من من قبل السر ارنولد ولسن وكيل الحاكم المدني العام لوضع المسؤولين البريطانيين على نتائح الاستفتاء  الذي نظم في نهاية تشرين الثاني 1918 ،  فقال لها ان الاستفتاء حماقة وسبب للاضطراب والقلاقل، مؤكدا ان الاستفتاء مزور لان العراقيين بصراحة كارهون لكم.

 

كان عبد الرحمن النقيب يطالب بقيام حكومة عربية ويعتبر ان بحث الاستقلال العربي امر يستحق الاهتمام، وكان يرغب في أن يرى العراق  بأيدي عراقية بحتة لا إدارة بريطانية يسندها جيش احتلال تعداده (40) الفا، وفي كتاب تاريخ الأسر العلمية للراوي الذي حققه الدكتور عماد عبد السلام رؤوف اشارات الى ان النقيب كان يميل إلى النظام الجمهوري منذ وقت مبكر.

 

وعندما شنت الصحافة البريطانية حملة للمطالبة بسحب الجيش البريطاني من العراق بعد تزايد نفقاته سخر النقيب من الحملة التي لا أمل فيها حسب رأيه قائلا: انه يريد افعالا لا اقوالا ، وحين اعلن مسؤول إنجليزي ان قوات بلاده ستبقى عامين قبل أن يتقرر مصير (الامارة) رد عليه النقيب: لتكن مصلحة العراق فوق الجميع والاحتلال زائل لامحالة.

 

 توفي عبدالرحمن النقيب في بغداد يوم الثالث عشر من حزيران 1927 وقد انهكه المرض المزمن ولكنه امضى الايام التي سبقت رحيله في سعادة غمرته بعد ان قررت عصبة الامم عودة لواء الموصل الى الحاضنة العراقية بعد استفتاء جرى لسكانها كانت نتيجته اجلاء الادارة التركية عن المدينة التي سميت منذ ذلك بـ(ام الربيعين).

 





التعليقات

إضافة تعليق

الاسم  
التعليق