01-تموز-2016

 (فتنة) كنعان مكية.. اعتذار متأخر للعراقيين

 

 

يستعرض الكاتب كيلان محمد في عرضه لرواية (الفتنة) التي نشرها مؤخرا احد دعاة احتلال العراق كنعان مكية ، ما مرَّ بالعراقُ من تحولاتِ جسيمة على المستوى السياسي والاجتماعي بعد سقوط صدام حسين. ويشير الى كل من تابع واقع هذا البلد عقب انهيار مؤسسات الدولة بتاريخ 9 نيسان/ابريل 2003 يستدعي في مخيلته أسطورة صندوق باندورا في الميثولوجيا اليونانية، وهو صندوق يحمل كل الشرور البشرية من الجشع والغرور والتزييف والحسد والافتئات، ويقول: لإدراك ما تفشى من سلوكيات وصيغ وشعارات وأساليب غريبة في هذه المساحة الجِغرافية، حيثُ غمرت الانتماءات الفرعية صورة العراق في ذهنية كل مواطن فأصبحت الغلبة لخطابات مذهبية، واشتدَّ التنافس على السلطة بين القادمين من المنفى وهم حاولوا أن يجمعوا في تركيبتهم الولاء المذهبي مع تقاليد شكلية للاتجاهات الليبرالية. يُحاولُ الباحث والأكاديمي العراقي كنعان مكية الذي غادر بلده منذ عام 1968وهو من منظري مشروع احتلال العراق، أنْ يستعرض في عمله الروائي المعنون بـ(الفتنة) الصادر عن دار الجمل، ما شهدته العملية السياسية في العراق من انتكاسات وقساوة مذهبية وطائفية، بحيث تحول حلم الديمقراطية إلى كوابيس من الحروب المُمَولة إقليمياً ودوليا بين العراقيين، كما يكشف للمتلقي وجهاً آخرَ من الصراع بين أبناء طوائف واحدة على الزعامة الدينية، بجانب ذلك يتوقفُ صاحبُ «جمهورية الخوف» عند وقائع تُعدُ مفصلية في مرحلة ما بعد (2003) من استهداف شخصيات سياسية ودينية. 

تُسندُ عملية سرد حلقات الرواية إلى راوِ من نوع ما يسمى بالراوي المُحايث، حيث يتابعُ المتلقي من منظوره الأحداث ويشاركه في الانفتاح على التطورات. كما أن موقع السارد هو داخل إطار المادة المسرودة وليس خارجها، فالأخيرُ هو أحدُ عناصر جيش الإمام المنتظر التابع لمقتدى الصدر، وهو سليل آل الصدر إحدى العائلات الدينية المتنفذة، يلمعُ نجم رجل الدين الشاب عندما يعلن حربه ضد قوات الاحتلال، وينضمُ عددُ كبير من الشباب إلى جيشه الذي يوحي اسمه باقتراب موعد ظهور الإمام .كما توجد إشارات في متن الرواية إلى مُعتقدات منتشرة حول قدوم المخلص بالاستدلال إلى ما عم من الفوضى والاقتتال، وكله حجة على ضرورة الاستعداد لاستقبال المُنقذ.

يُكلف الراوي الذي كانت ولادته متزامنة مع تسلم صدام حسين مقاليد الحكم في العراق بحراسة الأخير ومراقبته قبل أن يُنفذ عليه حكم الإعدام في 31/12/2006، حيثُ يستعيدُ تفاصيل هذا المشهد في الشعبة الخامسة الواقعة في منطقة الكاظمية ـ إذ يتنافس السياسيون للحصول على الحبل الذي يُشنق به صدام، وبذلك يكون ما أُعْدِمَ به الطاغية وسيلة للثراء والتكسب للبعض، كأن كل شىء في العراق معروض للبيع. ما يراه الراوي يحدو به إلى التساؤل حول مسوغات القتل وتأثير طريقة قتل معينة على تخليد شخصية المقتول، ويتناقش الراوي مع صديقه حول هذا الموضوع مثيرا حفيظة إياه عندما يقارن مقتل صدام مع نهايات بعض الرموز الدينية ـ ومن ثّم ينتقلُ الراوي إلى فترات أخرى قبل أن يعودَ إلى التوقيت الذي يعدم فيه صدام حسين.

يعتمدُ بناء الرواية على حبكة بوليسية بسيطة إذ يجدُ الراوي في 10 أبريل/نيسان جثة ملقاة أمام ضريح الإمام علي في النجف، وثمة شائعات بأنَّ المقتول هو عميل أمريكي عاد إلى العراق مع القوات المُحتلة. فأم الراوي هي الوحيدة التي لا تقتنع بصحة هذه الرواية، تبدو شخصية الأُم حاملة لأسرار لا تتضح ملامحها إلا مع تنامي الأحداث واحتكاك الراوي ببيئات جديدة. كما أن معرفة أسباب مقتل الرجل المعمم تكشف عن حجم صراع محتدم بين رجال الدين في المدينة المقدسة، إضافة إلى أنَّ حل لغز الجثة يوصل الراوي إلى من كان وراء المصير البائس لوالده الذي لم يخرج من معتقل الرضوانية. تنطلق من هذه الوحدة الأساسية مجموعة قصص أخرى لعل من أكثرها تماسكاً ما يتعلق بشخصية منتصر، الذي تجند في جيش الإمام حاملاً بُسطال أبيه الذي كان مُقاتلاً في الحرب العراقية والإيرانية، وهذا ما يحيل المتلقي إلى مُعاناة العراقيين مع الحروب، لا شيء للآباء يوُرث غير أغراض الحرب، الأكثر من ذلك تتسع طيات السرد لقصة العراقيين الأجانب، الذين قضوا ردحاً من حياتهم في عواصم أوروبية، إذ كانوا منضوين تحت مظلة ما يسمى بالمُعارضة. كما يتناول صاحب «الصمت والقسوة» موضوع تأسيس الجماعات المسلحة التي أنشئت في دول مجاورة، فأبو حيدر هو قيادي في فيلق بدر تزوج في إيران صاحبه أحد أقارب زوجته الإيرانية في عودته العراق ليشرف على تصفية الضُباط العراقيين، كما لا يتغافل الكاتب عن الإشارة إلى تحمل المرء لوزر اسمه، حيث كان اسمك يحدد مصيرك في حواجز منتشرة على امتداد العراق، أضفْ إلى ذلك ما شاع من أساليب القتل بين مجموعات ومليشيات مسلحة، فاق عددها المئتين والخمسين جماعةً، إذ تتبنى كل فئة إسلوباً خاصاً مثل الذبح أو القتل بالثاقبة لترويع خصمها، يختار كنعان مكية طريقة توثقية، حيث يكون ملتزماً بذكر تواريخ حقيقية ويقدم إحصاءات دقيقة حول عدد المجموعات المسلحة يذكر بأنَّ الكاتب سبق أن أعد فيلماً وثائقياً بعنوان «العودة إلى الجحيم» حول كارثة الأنفال، ما يُعرضهُ في روايته قد لا يضيفُ جديداً إلى رصيد ذاكرة القارئ، لاسيما من عاش في أتون الأحداث، فأسلوبه في سرد الأحداث أقرب إلى تقارير صحافية، فضلاً عن ذلك فإن تدخلات الكاتب وشروحاته عن تركيبة الفرد العراقي لا تخفى على المتلقي، على الرغم من اللجوء إلى تفويض بعض الشخصيات لنقل ما يَهُم المؤلف أن يوصله إليك. كما أن إعلان الراوي عن شكوكه بعد ما يكشف قتلة عبدالمجيد الخوئي، ومن أخبر عن والده لا يضعه في مصاف الشخصيات المكثفة أو المتعددة الأبعاد. وبذلك لا يصح توزيع الشخصيات المتحركة بين الأساسية والثانوية، إلا أن المتلقي يرغب في معرفة المزيد عن والد الراوي الذي يُعْرَف بأنه كان نبيلا وطنياً.

محاورة العدو

إذا بحثت عن عنصر التشويق لا تجده إلا في الفصل الأخير وهو عبارة عن حوار مطول بين الراوي وشخصية صدام حسين، إذ يتحدثُ الأخير في هذا الحوار المتخيل عن آرائه وتصوراته بشأن الحضارة وتاريخ العراق، واهتمامه بمعرفة تاريخ العشائر والعلاقة بين العروبة والإسلام ومحاربته للإلحاد المتمثل في الشيوعيين الذين زاحموا رجال الدين في معاقلهم. كما يُثني صدام على دور الشيعة في حربه مع إيران، وفي الوقت نفسه يبدي مقته للمُخبرين غير أنه يعترف بضرورة وجودهم وانتشارهم في كل الخلايا الإجتماعية، يُذيلُ الكاتب روايته بصفحات شكر فيها الجهات التي زودته بالمعلومات، كما يعتذرُ للشعب العراقي خصوصا الشيعة منهم كونه مساهما في ما آل إليه واقع المجتمع العراقي من التدهور على يد ثُلة من الأشباح. يأتي هذا الاعتذار بمثابة عودة الوعي لشخصية الكاتب.

 

 





التعليقات

إضافة تعليق

الاسم  
التعليق