مظاهرة في السليمانية تطالب مسعود البرزاني بالتنحي

10-تموز-2016

الصراع الكردي – الكردي:
الأسباب والمآلات

 

بقلم: خورشيد دلي

منذ انشقاق جلال الطالباني عن الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة الملا مصطفى البرزاني عام 1967، ثم تأسيسه حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، تكرّست الانقسامات في صفوف الحركة الكردية، وتعمقت أكثر مع استلام مسعود البرزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عقب وفاة والده عام 1979، وخصوصاً أن حزب الطالباني يتهم البرزاني بالتفرّد في اتخاذ القرارات، وتسليم المناصب العليا في إقليم كردستان لأفراد عائلته، حيث إلى جانب شغل البرزاني منصب رئاسة الإقليم، يشغل ابن شقيقه نيجيرفان رئاسة الحكومة، كما يشغل نجله مسرور منصب رئاسة الأمن القومي الذي تتبع إليه جميع المؤسسات الأمنية والعسكرية في الإقليم.

 

عمق الانقسام

بعد حرب الخليج الثانية عام 1991، وفرض حظر على الطيران العراقي فوق شمال العراق، أصبحت منطقة كردستان العراق مقسّمة بين تيارين رئيسين، الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الطالباني ومقره السليمانية، والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة البرزاني ومقرّه أربيل. وعلى خلفية هذا الانقسام، تأسست إدارتان في إقليم كردستان، لكل منهما مؤسساتها المحلية والخدمية والأمنية، حيث حدثت عدة مواجهات بين الطرفين، كانت أبرزها عام 1996، عندما قاد حزب الطالباني هجوماً على أربيل بمساعدة إيران، ونجح في السيطرة على المدينة، فيما هرب مسعود مع قواته إلى محافظة نينوى، قبل أن يستنجد بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين الذي أرسل قواته التي تمكنت من إخراج قوات الطالباني من أربيل، وإعادة البرزاني وقواته إلى المدينة. وهكذا استمر الصراع بينهما إلى أن تدخلت الولايات المتحدة في النزاع، ونجحت وزيرة خارجيتها مادلين أولبرايت في عقد اتفاق مصالحة بين الجانبين في واشنطن عام 1998، إلا أنه على الرغم من اتفاق المصالحة، ومن ثم غزو

العراق عام 2003، وإقرار الدستور العراقي عام 2005 بتشكيل إقليم فيدرالي، فإن الصراع بين الجانبين على استحواذ النفوذ والسيطرة على المناطق مستمر، فقد توسعت سيطرة الاتحاد الوطني الكردستاني على مناطق جديدة، فأصبحت محافظة كركوك وقضاء خانقين تحت نفوذه، بعد أن حصل الحزب في الانتخابات، أخيراً، على أغلبية أصوات محافظة كركوك.

 

ومع أن جهوداً ووساطات نجحت في التوصل إلى اتفاق استراتيجي عام 2006 على تقاسم السلطات، وتشكيل حكومة واحدة على أن تكون رئاسة الإقليم برئاسة البرزاني، مقابل أن تكون رئاسة العراق من نصيب حزب الاتحاد الديمقراطي، إلا أن الصراع استمر بين الجانبين، من دون الصدام لأسباب داخلية وإقليمية، ففي الوقت الذي للاتحاد الوطني الكردستاني علاقة جيدة مع السلطة المركزية في بغداد، وعلى علاقةٍ وطيدةٍ مع إيران، فإن علاقة الحزب الديمقراطي متوترة مع بغداد، وعلى علاقةٍ فاترةٍ مع إيران في مقابل علاقة جيدة مع تركيا.

 

لعل ما زاد من تعقيدات الصراع، دخول حزب حركة التغيير (كوران)، بزعامة نوشيرون مصطفى، إلى حلبة الصراع، ورفضه استمرار مسعود البرزاني في رئاسة الإقليم، بعد أن انتهت المدة القانونية لرئاسته، ما أثار حفيظة رئاسة الإقليم التي طردت وزراء حركة التغيير من الحكومة، ومنعت رئيس البرلمان، يوسف محمد صادق، من مزاولة مهامه، ما أدى عملياً إلى تشكيل جبهة حزبية مؤلفة من الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير والأحزاب الإسلامية في مواجهة البرزاني وتمسّكه بالرئاسة، حيث تدعو الأحزاب المناهضة له إلى تغيير النظام في الإقليم من الرئاسي إلى البرلماني، وتقليص صلاحيات رئاسة الإقليم. ومع تمسّك البرزاني بالزعامة، ورفض الجبهة المناهضة له، احتدم الصراع متأثراً بعاملين أساسيين. الأول: اشتداد خطر "داعش" وأولوية الجميع درء هذا الخطر والقضاء عليه. الثاني: اشتداد حالة التجاذب الإقليمي والدولي على الإقليم، ولا سيما تركيا وإيران اللتين تتنافسان على الإقليم والعراق والمنطقة بشكل عام، في إطار الصراع التاريخي بين الدولتين على النفوذ والدور. لكن، بغض النظر عن العاملين، فان الصراع الكردي - الكردي بات أمام ثلاثة سيناريوهات.

 

الصدام:

يستمد هذا السيناريو مشروعيته من مضي البرزاني في مشروعه الخاص نحو الاستقلال، من دون حل أزمة الرئاسة والنظام السياسي في الإقليم، وثمّة مؤشراتٌ توحي بأن هذا السيناريو بدأ يشق طريقه في المرحلة المقبلة، لعل من أهمها:

 

1- إعلان البرزاني عزمه المضي في إعلان الدولة الكردية بعد الاستفتاء المرتقب، في وقت ترى الأحزاب المناهضة له أن إصراره على هذا الأمر يأتي في إطار تطلعه إلى اعطاء مشروعية بقائه في الرئاسة، فضلا عن أن إعلان الدولة قد يجلب ويلاتٍ للإقليم في ظل الرفض الإقليمي لإقامة دولة كردية مستقلة. وكذلك تراجع الدعم الأميركي للإقليم، وحصره من خلال بغداد. كما أنه في حال نجاح القوات العراقية في هزيمة "داعش" في الموصل، فإن هذه القوات لن تسكت عما يخططه البرزاني، وإصراره على ضم كركوك وغيرها من المناطق المتنازع عليها إلى إقليم كردستان.

 

2- تشدد البرزاني في عدم الاستجابة لمطالب الأحزاب الأخرى، بشأن تغيير النظام من الرئاسي إلى البرلماني، وأن يكون تولي رئاسة الإقليم لدورتين. وهذه عملياً مطالب الشارع الكردي الذي يرى أن مثل هذا الإصلاح بات شرطاً للديمقراطية في الإقليم، فيما يرى البرزاني أن ما سبق يأتي في إطار المؤامرة ضده، وهو ما يعني ضمناً قرار المواجهة.

 

3- على الرغم من وجود حكومةٍ واحدةٍ في الإقليم، إلا أن نظام الإدارتين على أرض الواقع مستمر، فلكل منهما قواتها الأمنية الخاصة. وفي الفترة الأخيرة، حصلت عدة اشتباكات بين الجانبين، وصلت إلى الهجوم على المقار الحزبية وإغلاق المؤسسات الإعلامية لكل طرف في مناطقه، وسط حشد كل طرف عناصر قوته، ربما استعداداً للمواجهة المنتظرة.

 

4- تدفع الأطراف الإقليمية المعنية بالصراع بكل طرف إلى المواجهة لمصالحها الخاصة، فمقابل الدعم التركي الكبير للبرزاني، تدعم طهران وبغداد الأحزاب المعارضة له، كما أن الموقف من حزب العمال الكردستاني بات نقطة خلافٍ كبيرة، فمقابل دعم الاتحاد الوطني الكردستاني حزب العمال الكردستاني في حربه ضد تركيا، والتنسيق معه في منطقة سنجار ضد "داعش"، ودعم الاثنين حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سورية، يتحالف حزب البرزاني مع الحكومة التركية ضد حزب العمال الكردستاني، ويطالبه بالخروج من الإقليم، بما في ذلك معقله في قنديل، كما يعيش في حالة صدام مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سورية، حيث يتهمه بالتفرّد ومنع الأحزاب الكردية السورية المتحالفه مع البرزاني (المجلس الوطني الكردي) من تقاسم النفوذ في المناطق الكردية في سورية.

 

العودة إلى نظام الإدارتين:

يستمد هذا السيناريو مشروعيته من مطالبة بعضهم بإعلان إقليم السليمانية، إذا واصل البرزاني التمسك بسياسة التفرّد في قيادة الإقليم. وهناك عواملُ قد تدفع حزب الاتحاد الوطني إلى السير في هذا السيناريو إلى النهاية، لعل أهمها:

 

1 – رغبة الاتحاد الوطني الكردستاني في عدم الذهاب إلى الصدام مع البرزاني، واللجوء إلى الوسائل القانونية لحل الخلافات، أي اللجوء إلى المادة 15 من الدستور العراقي التي تنصّ على إمكانية محافظة أو أكثر تشكيل إقليم خاص بها. ولعل ما يشجع حزب الاتحاد الوطني وحركة التغيير على هذا الخيار تحويل منطقة حلبجة، أخيراً، محافظةً رابعة في الإقليم، واحتمال تحويل قضاء خانقين محافظة خامسة، فضلا عن استمرار السيطرة السياسية على كركوك، ما يعني أن إقليم السليمانية سيكون مؤلفاً من أربع محافظات، مقابل محافظتي أربيل ودهوك الواقعتين تحت سيطرة البرزاني.

 

2- على الرغم من أن حزب الاتحاد الوطني الذي تعرّض لضعف، وسلسلة انقساماتٍ بعد مرض زعيمه التاريخي، جلال الطالباني، إلا أنه بدأ ينتعش، أخيراً، على وقع المطالبة بتعزيز موقع السليمانية في الإقليم، والنجاحات الانتخابية التي حققها في كركوك، وتجاوز خلافاته القديمة مع حركة التغيير، بعد التوصل إلى اتفاق للشراكة السياسية، ووقوفهما في صف واحد في مواجهة تمسك البرزاني بالسلطة.

 

3- يعتقد حزب الاتحاد الوطني أن الظروف باتت مناسبة للتحرك، وإنهاء تحالفه الاستراتيجي مع البرزاني، فالوضع الاقتصادي والمعيشي السيئ للإقليم، وخلافات البرزاني مع بغداد، وتداعيات الحرب مع "داعش"، عوامل تدفع الحزب إلى الاعتقاد بأنه لم تعد لدى البرزاني القوة الكافية للتحرك ضده، إذا اتخذ قرار إعلان إقليم السليمانية.

 

4 – توفر الدعم المحلي والإقليمي، إذ تشكل علاقة السليمانية الجيدة مع بغداد في مقابل العلاقة المتوتر بين أربيل وبغداد عاملاً محفزاً للسليمانية للمضي في خيارها، لكن الأهم هنا دعم إيران، الدولة الوحيدة التي تجاور السليمانية جغرافيا. وفي ظل العلاقة الجيدة بين الجانبين، في مقابل توتر علاقة إيران مع البرزاني، بسبب تحالفه مع تركيا، وعلاقاته الجيدة مع الولايات المتحدة، وتلويحه الدائم بإعلان دولة كردية، فإن الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير يتوقعان دعماً إيرانياً كبيراً لخيار إعلان إقليم السليمانية.

 

التوافق:

يدل على مشروعية هذا السيناريو أن التجربة التاريخية للصراع الكردي – الكردي، والتي تقتضي انتصار الحكمة والعقل على المصالح الحزبية والشخصية، فثمّة أسباب قد تشجع على هذا السيناريو الذي يقوم أساساً على تلبية مسعود البرزاني للإصلاحات المطلوبة، انتصاراً للمصلحة القومية الكردية. وتشجع على هذا السيناريو جملة من العوامل:

 

1- أغلب سكان الإقليم ومكوناته السياسية باتوا يرفضون استمرار البرزاني في رئاسة الإقليم، وقد يجلب أسلوب التعامل الأمني مع هذه القضية كوارث على عائلة البرزاني، ومكانتها التاريخية في النضال الكردي، في حين أن التوجه إلى الإصلاح سيعزّز من مصداقية العائلة والحزب الديمقراطي الكردستاني، فضلاً عن أنه سيعزز التوافق على الساحة الكردية، ويعزّز الديمقراطية والعمل السياسي في الإقليم.

 

2- يتجه الوضع الاقتصادي والمعيشي في الإقليم نحو مزيد من التدهور، إذ لم يعد الموظفون يستلمون رواتبهم بسبب الأزمة المالية، وأصبح الشارع الكردي المحتقن يطالب بالخروج من هذه الأزمة، وسط اتهاماتٍ لعائلة البرزاني بتوظيف مداخيل النفط لحساباتها ومشاريعها الخاصة. وعليه، ثمة من يرى أن هذه الأزمة قد تدفع البرزاني إلى القبول بالإصلاحات إنقاذاً للوضع.

 

3- الصراع مع حزب العمال الكردستاني: توسع وجود حزب العمال الكردستاني في إقليم كردستان العراق بشكل كبير، منذ احتلال "داعش" الموصل، حيث لم يعد يقتصر في مناطق جبال قنديل، بل بات في محافظات دهوك والعمادية ومناطق سنجار أيضاً. وتذكر التقارير أن الحزب بات يسيطر على قرابة 700 مدينة وبلدة وقرية، ونسج علاقات جيدة مع حزب الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير. وقد بات ما سبق يشكّل ضغطاً كبيراً على البرزاني قد لا يجد مخرجاً منه، إلا بقبول الإصلاح الذي تنشده الأحزاب الأخرى.

 

4- العامل الإقليمي والدولي: لا تبدو المتغيّرات الإقليمية والدولية في صالح البرزاني، فإيران التي تهيمن على العراق في خلاف مع سياساته وتحالفه مع تركيا. والولايات المتحدة التي راهن البرزاني كثيراً عليها تبدو غير موافقة على خيار الاستقلال الكردي. وموسكو وواشنطن دخلتا في تفاهم على إيجاد تسويةٍ للأزمة السورية، خلافا لتوجهات تركيا الرامية إلى إسقاط النظام السوري. وعليه، تبدو المواقف الإقليمية والدولية تسير عكس تطلعات البرزاني.

 

لكل سيناريو أسبابه وعوامله، وهي سيناريوهات تضع الإقليم الكردي أمام خياراتٍ مفتوحة، بعد أن استفحل الصراع بين قواه السياسية التي تبدو كأنها تنتظر مسار التطورات الجارية في المنطقة، لتحدّد كيفية حسم الصراع الجاري.

 





التعليقات

إضافة تعليق

الاسم  
التعليق