07-آب-2016

الأب أنستاس ماري الكرملي
الساهر على أحلام اللغة

 

 

بقلم: فاروق يوسف

مئة وخمسون سنة مضت على ولادة الرجل الذي يمكننا أن نصفه بـ”راهب اللغة”. ولن تدخل تلك الصفة في باب المجاز، فقد كان الرجل راهبا في واقع حياته اليومية ولم يتخل عن ثياب الرهبان عبر سنيّ حياته التي عاشها محلقا بجناحي لسان العرب.

 

مهندس كون اللغة، المقيم في دير

شغفه اللغوي قاده إلى المنفي. فكان حالة فريدة من نوعها وسط المنفيين لأسباب سياسية أيام الحكم العثماني. ذلك المنفيّ لغويا كان بمثابة جسر للغات، قديمها وجديدها، غربيها وشرقيها، المكتوب منها والشفاهي.

 

لغويّ، بل عالم لغات أصاب عراقيي العصر الحديث بجنون اللغة العربية، فصار أحد طلابه وهو مصطفى جواد يصر على تصحيح ما يتداوله الناس العاديون في الأسواق من مفردات وهو يردد “قل ولا تقل”.

 

الأب أنستاس ماري الكرملي، هو خلاصة زمن لغوي للزمن الفيزيائي. معجمه “المساعد” الذي قضى في تأليفه أربعين سنة هو جوهرة ذلك الزمن التي عثر عليها بعد تنقيب مضن في طبقات اللغة، فكان أشبه بحامل مصباح يتجوّل في غابة العربية وفي رأسه هدف واحد يكمن في تنظيف تلك الغابات من الأعشاب الضارة.

 

هيامه باللغة العربية دفعه إلى الإيمان بتفردها الإعجازي وهو القائل “إن لسان العرب فوق كل لسان ولا يدانيه لسان آخر من ألسنة العالم جمالا ولا تركيبا ولا أصولا ولا.. ولا”.

 

حارس العربية، الساهر على أحلامها ولد وعاش وتوفّي في بغداد، في قلبها بالرغم من أصوله اللبنانية. كانت اللغة هي وطنه الحقيقي. زهده وتقشفه في الحياة وتخلّيه عن متعها ومباهجها الزائلة وغيرها من الصفات التي استلهمها من موقفه الديني قابلها موقف مفرط في إسرافه في اقتناء الكتب وتجميعها. وهو ما جعله أشبه بالكائن الذي يعيش في جنّة من الكتب.

 

حين احتل العثمانيون بغداد استعمل جنودهم كتب مكتبته حطبا لنار التدفئة. غير أن تلك المأساة لم تثنه عن العودة إلى تطريز جدران دير الآباء الكرمليين، حيث كان يقيم بحرير الكلام الذي ينسج حدائقه في الكتب.

 

حين رأيت ذات مرة ما تبقى من مكتبة الأب الكرملي تأكد لي أن الكون يمكن أن يقيم في كتاب. وكان الكرملي نفسه واحدا من أهم صنّاع وعرّابي ومهندسي ذلك الكون مترامي الأطراف. معرفة لغوية لم يسبقه ولم يلحق به إليها أحد.

           

المنفي لغويا

ولد بطرس بن جبرائيل يوسف عواد في بغداد في الخامس من أغسطس 1866 من أب لبناني من بلدة بكفيا، وأمّ عراقية من الموصل. في مدرسة الآباء الكرمليين ببغداد، درس. ومنها غادر إلى بيروت ليتعلم اللاتينية واليونانية وليتبحّر أكثر في العربية.

 

من بيروت ذهب إلى شيفرمون البلجيكية لينخرط في سلك الرهبان ليذهب في ما بعد مباشرة إلى مونبلييه الفرنسية ليرسّم عام 1894 قسيسا باسم “أنستاس ماري الألياوي”، غير أنه في حمى نشاطه الديني كان قد أضاف إلى خزانته اللغوية لغات أخرى تعلّمها بشغف معرفي لا يُبارى وهي السريانية والعبرية والحبشية والمندائية والفارسية والتركية والإنكليزية والإيطالية والأسبانية.

 

معرفة لغوية لم يسبقه ولم يلحق به إليها أحد. في سنة الترسيم نفسها عاد إلى بغداد ليدير المدرسة التي درس فيها طفلا وليباشر صنيعه اللغوي الممزوج بحسّ قومي عالي النبرة وهو ما دفع السلطات العثمانية التي كانت تعتمد سياسة التتريك إلى نفيه إلى قيصرى بالأناضول عام 19144 ليبقى منفيا هناك سنتين.

 

قاده شغفه بالقراءة إلى التأليف، لكن في مجال تخصّصي، كان العرب قد هجروه منذ مئات السنين، هو المجال اللغوي، وبالأخص ما يتعلق بالجهد المعجمي. كان عمل الكرملي يقوم على المراجعة النقدية الدقيقة والعودة إلى روح المفردة العربية وهي المهمة الشاقة التي ما كان في إمكانه أن ينجزها لوا اطلاعه الدقيق على كلّ ما أنجزه العرب في ماضي حياتهم داخل اللغة ومن خلالها.

 

ربّما شجعته معرفته العميقة باللغات الحيّة والميّتة على حد سواء للعثور على مفاتيح البحث اللغوي، غير أن عشق الكرملي للغة العربية يقف بالدرجة الأساس وراء تعامله معها بما عرف عنه من حرص ووفاء لها، لا باعتبارها إرثا يمكن تصريفه واقعيا بل كونها أمانة، ينبغي الحفاظ على لمعان ما تحتويه من درر. لذلك أعاد النظر في كل المكتبة المعجمية العربية ليستخرج جوهرته “المساعد” وهو العمل المعجمي الذي استغرق تأليفه أربعة عقود، كان الكرملي أثناءها ينشر بحوثه ومقالاته في عشرات المجلات العربية بأسماء مستعارة، منها “أمكح، متطفل، مستهل، منتها، مبتدئ، ابن الخضراء وسواها” ولم يكن ذلك الأمر غريبا عليه وهو الذي عاش حياته كلها وهو يحمل اسما مستعارا.

 

تعدد أقرانه الذين اخترعهم وكان يكتب بأسمائهم يكشف عن شعوره بأن حجم رعيته يتجاوز عدد البشر الذين عُهد إليه بسبب منصبه الكهنوتي أن يرعى شؤونهم الدينية. كانت رعيته الحقيقية تتألف من الآلاف من الصفحات التي ترك على صفحاتها أثرا من خطه الناعم الذي يكاد لا يُقرأ. وهو الأمر الذي صَعّبَ مهمة تحقيق مخطوطاته الأربعين ونشرها. غير أن ما بذله تلميذه كوركيس عواد في هذا المجال يعد جهدا لافتا.

 

موسوعة حية زينت بغداد

كما هو حال اللغويين العرب القدامى كان الكرملي موسوعيا في معارفه وخبرته وهو ما انعكس على المجالات التي كتب فيها. إذ فتحت له اللغة أبوابا أطل من خلالها على التاريخ والديانات والفلكلور والجغرافيا والأنثربولوجيا والتربية.

 

وإذا ما كان الخوف من ملاحقة العثمانيين له ولكتاباته، قد دفعه إلى أن يخفي مخطوطاته في خزانة دفنها تحت الأرض، فإن زوال الغمة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى دفعه إلى إخراج تلك الخزانة التي جادت بعدد من كتبها على المكتبة العربية، بعد أن قام الكرملي نفسه بطباعتها في حياته. ومن تلك الكتب نذكر “الفوز بالمراد في تاريخ بغداد”، “مختصر تاريخ العراق”، “أديان العرب”، “جمهرة اللغات”، “المجموع″، “أغلاط اللغويين الأقدمين”، “نشوء اللغة وتطورها”، “العرب قبل الإسلام”، “السحائب”، “شعراء بغداد وكتابها”.

 

وكما هو واضح من عناوين كتبه فقد كان الكرملي عروبيا في دعوته التنويرية، كانت رغبته في تحديث الحياة تقوم أصلا في التعرف على الأصول والتمسك بنقاء صورها واستبعاد كل ما دخل عليها بتأثير عاديات الزمن والعصور المظلمة.

 

عام 1911 بدأ بإصدار مجلته “لغة العرب” وهو العام نفسه الذي جرى فيه انتخابه عضوا في مجمع اللغات المشرقية الألماني. وصار بعد ذلك عضوا في مجمعات اللغة العربية في دمشق والقاهرة وبغداد.

 

وإذا ما كان الزمن الذي عاش فيه الكرملي هو زمن النخب العربية الحقيقية التي أدركت أن اللغة وليست السياسة هي الركيزة الأساسية لوجودها واستمرارها في البقاء والنمو فإن الكرملي نفسه يعد ظاهرة متميزة في غناها وتمثلها لذلك المفهوم في ذلك الزمن. وهو ما جعله يحظى بالاهتمام والتقدير والتكريم من قبل المؤسسات الثقافية العربية والعالمية.

 

الرجل الذي ترك 3202 صفحة مكتوبة بخطه الناعم هي مادة معجمه “المساعد” الذي كان قد اسماه في البدء “ذيل لسان العرب” كان بحق منقبا وفاحصا ومختبريا حين وضع نصب عينيه التصدي لأخطاء اللغويين العرب، الأقدمين منهم والمحدثين على حد سواء. فكانت دراساته بمثابة سفر في تاريخ اللسان العربي.

 

لم ينشر إلا جزءا صغيرا من ذلك المعجم، قام بتحقيقه كوركيس عواد وعبدالحميد العلوجي عام 1972. غير أن ذلك الجزء بكلّ ما انطوى عليه من عمق يفصح عن حجم مشقة الرجل الذي سافر وحيدا بمصباح اللغة.

 





التعليقات

الاسم نبيل يونس دمان
التاريخ 28/08/2016 01:01:35 ص
التعليق ذكرى رحيل : انستاس الكرملي





نبيل يونس دمان

nabeeldamman@hotmail.com



مقدمة

ان الذي دفعني لكتابة هذا الموضوع ، هو العلاقة الابوية الصادقة التي ربطتني بالأستاذ جورج جبـّوري في السنوات الاخيرة ، من خلال احاديثه الدائمة عن الراحل ، حيث عاشا معا ً لسنوات عديدة في دير الآباء الكرمليين ببغداد ، وفي أروقة ذلك الدير عاش أديبنا انستاس متعبدا ، زاهدا ، باحثا ، وعاشقا للغة العربية ، وبجواره في مدرسة اللاتين عمل أستاذنا جورج جبوري معلما ثم مديرا للفترة من 1939 وحتى عام 1952.



نبذة عن حياته

ولد الأب انستاس ماري الكرملي في 5/ آب/ 1866 ببغداد ، لأب لبناني وهو ميخائيل عواد وأم بغدادية وهي مريم أوغسطين وسمي ( بطرس ) . دخل مدرسة الآباء الكرمليين ثم مدرسة الاتفاق الكاثوليكي ، وعندما لمس أساتذته شغفه باللغة العربية ونبوغه فيها ، عين مدرسا لها وهو في السادسة عشرة من العمر فقط .

في عام 1886 أرسل الى المدرسة اليسوعية في بيروت لدراسة اللغتين اليونانية واللاتينية ، ومواصلا في ذات الوقت تدريس اللغة العربية ، وفي نفس العام سافر الى بلجيكا حيث إرتدى أسكيم الرهبان في دير شفرمون ، واصبح اسمه منذ ذلك الحين انستاس ماري الكرملي .

في عام 1888 إنتقل الى دير مونبيليه ( فرنسا ) ليقضي فيه ست سنوات في دراسة اللاهوت والفلسفة واللغات . وفي عام 1893 رسم كاهنا ً ليعود بعد عام الى وطنه العراق ، مرورا ً ببلاد الأندلس ليطلع على بقايا الحضارة العربية المندرسة .

فور عودته الى بغداد ، تولى ادارة مدرسة الآباء الكرمليين لعدة سنوات ، ثم ترك الإدارة ليتفرغ تماما ً للبحث والدراسة والتأليف ، بهمة عالية ونشاط قل مثيله .

عند اندلاع الحرب العالمية الاولى عام 1914 تعرض للمضايقة والاضطهاد من قبل الاتراك ، نظرا لمواقفه الوطنية . وبالنتيجة سرقت واحرقت الكثير من كتبه وسيق جورا ً الى المعتقل في قيصرية عبر مدينة حلب السورية ، وهناك تعرض لألوان التعذيب ، ولولا تدخل مطران الأرمن ، لمات شنقا حتى الموت وحال إطلاق سراحه ، عاد الى مدينته بغداد ، ليواصل جهوده الكبيرة في خدمة اللغة العربية والتاريخ ، حتى وافاه الأجل في 7- كانون الثاني - 1947 تحت وطأة الشيخوخة والمرض .



مجلسه الاسبوعي

ذاع صيت مجلسه الاسبوعي ( مجلس الجمعة ) في أنحاء المعمورة واصبح قبلة اصحاب المكانة المتميزة في الأدب ، واللغة ، والفلسفة ، وكم قصده زائرون للعراق من العلماء المستشرقين والباحثين ذوي الباع الطويل في علم اللغات والتاريخ .

كان هناك شرطان وضعهما العلامة أمام رواد مجلسه ، وهما تحريم النقاشات السياسية والدينية ، وقد كانت فكرته تلك ذكية جدا ً ، لتجنب الاحتكاكات والإشكالات التي تحصل من الخوض في الموضوعين اعلاه . اما الانصراف الى الأدب وأبحاث اللغة فهي بحد ذاتها مكملة وموحدة ، ومن النادر حدوث انقسامات وانشقاقات فيها .

من جملة حضور مجلسه الاسبوعي ، أسماء أدبية لامعة ، امثال : يوسف غنيمة ، حامد الصراف ، رزوق عيسى ، كاظم الدجيلي ، عبد الرزاق الحسني ، هاشم الوتري ، مصطفى جواد ، مهدي مقلد ، محمد رضا الشبيبي ، روفائيل بابو إسحق ، روفائيل بطـّي ، الملا عبود الكرخي ، عباس العزاوي ...وغيرهم كثير .

كان مجلس الجمعة يبدأ في الثامنة صباحا ً ، وينتهي في الثانية عشرة ، عندما تشق أركان الدير، دقات ناقوس الكنيسة ، مؤذنة حلول فترة الظهيرة . عندما ينفرط عقد الزائرين ليلتحم مرة اخرى في الجمعة التي تليها ، ولعشرات السنين .

كان الجو الهادئ والمنظم الذي يوفره الأب العلامة بمثابة حافز ودافع ، للمزيد من النقاش الهادف ، والبحث المتواصل ، في شتى المواضيع المطروحة . وغالبا ً ما كان انستاس يستعين بمصادره من الكتب ، التي تعد بالآلاف في خزانته والتي عني بجمعها وترتيبها ووضع الهوامش والخطوط والملاحظات عليها ، في إقناع الحاضرين برأي معين . كما كان يوفر طاولة وعليها الكتب والمجلات والجرائد المحلية والعربية والأجنبية الصادرة حديثا ً في مختلف اللغات ، ليطلع عليها مجلسه الموقر الذي كان بمثابة مجمع علمي عراقي مصغر



منجزاته

منذ نعومة أظفاره ولج طريق الكتابة ، فكتب مقالات كثيرة وبحوثا ً قيمة جدا ً زادت عن الالف ، في مختلف الصحف والمجلات العلمية والادبية التي لها مكانتها في العراق او في خارجه ، فنشر مثلا ً : في المشرق ، المقتطف ، المسرة ، زهور ، الصفاء ، البشير ، الهلال ، الأهرام ، وغيرها .

وكانت له قدرة في تعلم اللغات فأجاد الفرنسية ، اللاتينية ، اليونانية ، السريانية ، العبرية ، الحبشية ، التركية ، الفارسية ، الانكليزية ، الاسبانية ، والايطالية ، إضافة لنبوغه في اللغة العربية التي أحبها وعشقها وإعتبرها أغنى اللغات وأجملها .

وشملت مقالاته مناحي عديدة منها اللغة والتاريخ والبلدان واصل الكلمات والملل والنحل ، فكتب عن الصابئة واليزيدية . وألف نحو أربعين مؤلفا ً في الدين والآداب والتاريخ منها : الفوز بالمراد في تاريخ بغداد ، أغلاط النحويين الأقدمين ، بلوغ المرام في شرح مسك الختام ، مختصر تاريخ العراق ، الغرائب ، الرغائب ، أمثال العوام وغيرها ، كثير منها مطبوعة وغيرها غير مطبوعة . ويخرج معجما ً رائعا ً سماه ( المساعد ) والذي عكف على العمل فيه قرابة نصف قرن ولم يكمله ، وحين وافته المنية ، اغرورقت عيناه بالدموع قائلا ً " لا أريد ان افارق الحياة قبل إنجاز كتابي ( المساعد ) " .

أصبح عضوا ً في مجمع الإستشراق الألماني ، والمجمع العربي في دمشق ، والمجمع العلمي في جنيف ، ومجمع اللغة العربية المصري ، ونال اوسمة وميداليات عالية في دول عديدة منها انكلترا وفرنسا .



طبائعه

نشأ هذا الانسان نشأة ناسك متعبد ، زاهد ، لا يملك من متاع الدنيا شيئا ً ، لا أسرة له ولا اولاد بل اولاده في الروح كتبه وغزارة إنتاجه .

كان ضخم الجثة ، قوي البنية ، جبلي القوام ، أطلق للحيته العنان فجاءت كثة ، طويلة ، ومهيبة ، له صوت كأنه الزئير ، وضحكاته كانت تشق انحاء الدير، وغضبه في ذات الوقت وانفعاله في ما يراه انحرافا ً ، يصل حد استعماله عصاه ! .

عندما يرى فاحشة ترتكب بحق اللغة فإنه يكرر القول " إذا لم يتم تصحيحها فاني سأقاطع صاحبها ، بل سأبصق عليه !! " ، وطالما إستعرت الحملات الكتابية بينه وبين فطاحل عصره ، وادت بعضها الى المقاطعة التامة ، وامثال تلك المساجلات : مع عبد الله البستاني ، لويس شيخو اليسوعي ، جبر ضومط ، أمين معلوف ، أسعد داغر ، ابراهيم اليازجي وغيرهم .

اما من ناحية التدبير والمال فقد كان مقتصدا ً ، يحسب لكل شيء حسابه ، وربما لهذا السبب نعته البعض بالبخل ، لكنه بتلك العقلية الحسابية ، استطاع ان يشتري آلاف الكتب ويقوم بعدة رحلات الى سوريا ، مصر ، لبنان ، فلسطين ، وأوربــا ، من اجل أبحاثه ، وكم كان يرنوا لإستقباله علماء وفلاسفة عصره من المصريين والسوريين واللبنانيين والفلسطينيين أمثال : أحمد باشا تيمور ، يوسف أفندي سركيس ، قدري طوقان وغيرهم .



تكريمه

بتاريخ 7 / تشرين أول / 1928 ، اقيمت في دار رئيس الوزراء محسن السعدون حفلة يوبيلية كبرى للعلامة انستاس الكرملي ، وتوالى الخطباء والشعراء من على منصة الاحتفال ، يشيدون بالمحتفى به ، حيث يكرم العلم والإبداع .

وقد ورد في كلمة أحد تلامذته وهو أحمد حامد الصراف البيتين التاليين :

وعشنا وعاشت في الدهور بلادنا

جوامعنا في جنبهن الكنائس

وسوف يعيش الشعب في وحدة له

عمائمنا في جنبهن القلانس

ومما قاله فيه صاحب مجلة القربان الحلبية ما يلي :

(( ان المحتفى به هو الكاتب المبدع الذي لم تخل مجلة من مقالاته الرنانة وهو اللغوي المدقق الذي أماط اللثام عما جاء في معاجم اللغة مثل لسان العرب وتاج العروس ومحيط المحيط وأقرب الموارد من أغلاط ومفاسد )) .

وبعث أبرز شعراء ايران قصائدهم باللغة الفارسية ومنها قصيدة خسرو ميرزا الميمية تحت عنوان ( در تهنيت دشن أدبا وبراي حضرة أب أنستاس كرملي ) .

وقد جاءت أصوات التكريم من كل مكان في الشرق والغرب ومن انحاء العراق ، الكويت ، ايران ، مارسيليا ، المانيا ، مصر، لبنان ، فلسطين ، فرنسا . وبلغ الزهد والتواضع مبلغه في كلمة المحتفى به المؤثرة ، والتي جاء فيها : -

(( اني لا أرى هذا الاطراء جديرا بي ، بل خليقا بكم ، إذ اراكم تجلون العلم والفضل حتى في من ينتسب اليه انتسابا ، وإن لم يكن من أهله ، فالمجد والشرف لكم يا سادتي لا لي . إذ اراني بعيدا عن كل ما عددتموه ونسبتموه لي ، في حين لا اجده إلا فيكم يا سادتي الصيد الاشاوس )) .

في عام 1946 أقيمت لراهبنا المتبتل انستاس تكريمية اخرى في نادي الكرمل بحيفا – فلسطين . وكان في حينها يصارع امراضه وينيخ تحت ثقل شيخوخته البالغة ثمانين عاما . وقد وصفته الآنسة قدسية خورشيد بالقول (( دخلت دير الآباء الكرمليين – وكنت اول سيدة تخطوا حدود الكنيسة الى الدير– ودخلت غرفة عارية إلا من منضدة وبضعة كراسي وواجهة كتب والشيخ يجثم كالنسر العاجز ونهض الشيخ يستقبل زائريه ، وأحسست بهيبة عظيمة تغمرني لمرأى الرجل العظيم وكأنه الطود المتهدم يتقدم بخطوات مضطربة .. ))



لغة العرب

لعل اهم معلم تاريخي ومرجع هام في التقصي والبحث عن احوال العراق والبلدان ، هو مجلة " لغة العرب " الشهرية التي اصدرها الأب انستاس في تموز 1911 ، واستمرت حتى القبض عليه من قبل الجندرمة في ايلول 1914 ، ومما جاء في الأسطر الاولى لإفتتاحية عددها الأول ما يلي :

(( بسم الله الفتاح المعني ... بعد حمده تعالى ، والشكر على آلائه والإتكال على مدده ، قد عقدنا النية على اصدار هذه المجلة الشهرية خدمة للوطن والعلم والادب )) .

عادت الى الصدور مرة اخرى في تموز 1926 واستمرت حتى كانون أول 1931 وقد جاء في إغلاق المجلة ما يلي :

(( وقد عزمنا عزما أكيدا لا يحتمل الرد ولا الاستئناف على إغلاق المجلة من الآن ، لأننا مع مقاساتنا اتعابا جمة ومشاق هائلة ناهكة كنا نكابد خسائر باهضة طول سني صدور المجلة ... )) .

إذن كان العامل المادي سببا في انطواء الصفحة الاخيرة لتلك المجلة البارزة ، وقد حفلت في اعدادها بل في مجلداتها التسعة الضخمة ، بمواضيع عديدة نقتبس بعضا من عناوينها ونترك للقارئ العزيز تقدير أهميتها :

الكلدانيون ، الصابئة ، اليزيدية ، مخطوطة في تراجم علماء الموصل ، الحفر والتنقيب في أطلال بابل ، نظرة عامة في لغة بغداد العامية ، مشاهير كتاب العراق ، السائح الغربي في العراق العربي ، منارة سوق الغزل ، الخرز ومعتقداته ، اللغة الكردية ، طوب أبو خزامة ، في كنوز العرب ، اسماء محلات بغداد ، تاريخ المطابع في العراق ، أسرة ترزي باشا ، وغيرها كثير جدا .



تأبينه

إهتز العراق لنبأ وفاة عالمه الفذ انستاس الكرملي في 7 / كانون ثان / 1947 ، فحمل جثمانه في المستشفى التعليمي إلى باحة مدرسة اللاتين ، وتوالت الكلمات والأشعار والرسائل في ذلك المصاب الجلل ، وكتبت عنه الصحف العراقية جميعها وصحف مصر وفلسطين وسوريا ولبنان .

وقد ألقى الشاعر ( مهدي مقلد ) قصيدة في تأبينه نقتبس منها هذين البيتين :

فالقلب من دين ابن مريم وحيه

والفكر من لغة النبي محمد

إن ابن مريم والنبي محمدا

نوران نور هدى ونور توحد

ومما جاء في خطاب المؤرخ العراقي يعقوب سركيس : (( عرفت الراحل رحمه الله لأول مرة عام 1899 وكان تعارفنا في شطرة المنتفق ، وقد قصد تلك الديار لملاقاة الصابئة حيث يسكنون ، فذهب الى الناصرية لاختبار أحوالهم الدينية وحضور طقوسهم والاطلاع على كتبهم ... )) .

ومما قاله مير بصري ما يلي :

(( ... وكم طار لبه سرورا بلفظة عثر عليها بعد لأي فصاح كما صاح أرخميدس حين اكتشف مبدأ موازنة الأجسام الغائصة في السوائل : وجدتها ، وجدتها .. ! )) .

ومما قاله كوركيس عواد ما يلي :

(( حدثني ذات يوم ان ملك بلجيكا السابق ألبرت الأول حين زار بغداد سنة 1930 ... طلب جلالته أن يرى الأب انستاس ... )) .

ومما قاله د. مصطفى جواد ما يلي :

(( أرسل الي ّ مرة وأنا بباريس سنة 1936 رسالة يقول فيها " إني ترجمت من الفرنسية كتابين صغيرين دينيين تم طبعهما ولم أبعث اليك بنسختين إشفاقا ً من أن تظن أني أدعوك الى النصرانية " )) .

ومما قاله جورج جبّوري مدير مدرسة اللاتين في ختام كلمته هذا البيت :

أبتي أعِنـّي من عقال لساني

قد هدني شجني فعاق بياني

ولعل ما جاء في كلمة الأستاذ محمد فاتح توفيق من عظيم الدلالة بالقول :

(( لقد بلغ من شغفه بالفصحى أنه يحسن الإصغاء إلى القرآن الكريم وهو ذلك الراهب الناسك ، وما مرة زاره فيها مقرئ العراق الشهير ( الحافظ مهدي ) إلا وألح ّ عليه بأن يتلو على مسامعه آيات من الذكر الحكيم ، فيشق سكون الدير ذلك الصوت الرخيم وهو يصغي عليه بكل جوارحه )) .



ملاحظة

كتب الموضوع عام 1997 ونشر بمناسبة مرور 50 سنة على وفاته ، في كل من الثقافة الجديدة ، القيثارة ، وحويودو. اليوم أعيد نشره بمناسبة مرور 60 سنة على رحيله تعميما ً للفائدة ، ودعوة لوقف العنف والإنقسام الطائفي في بلد يغرق في أزماته ، ومن اجل السلام والتآخي بين مواطنيه .

إضافة تعليق

الاسم  
التعليق