هارون محمد

26-أيلول-2017

مسعود بارزاني ينتحر سياسيا دون ان ينتبه

 

هارون محمد

كان خطأ سياسيا فادحا، عندما أقدمت حكومة حزب البعث برئاسة احمد حسن البكر ونائبه صدام حسين في عام 1970، على توقيع بيان 11 مارس (آذار) الذي منح اكراد العراق الحكم الذاتي، مع رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني الملا مصطفى بارزاني، في اجراء غير مدروس، كان من نتائجه أن عزز مكانة الاخير، وحوله من شيخ عشيرة صغيرة محشورة في قرية بارزان الجبلية، ورئيس حزب كان يشهد انشقاقات متلاحقة في هيئاته القيادية، الى شريك سياسي فاعل، وقائد كردي أوحد، مختزلا كل الاكراد وقضاياهم وتطلعاتهم في شخصه واسرته وعشيرته والمقربين منه.

 

ولم يكن الملا مصطفى رحمه الله وغفر ذنوبه، يحلم ان تهبط بركات البعث عليه دفعة واحدة، وكان كل ما يطمح اليه من السلطات الحكومية يومها، ان توقف هجمات الجيش العراقي على قواعده العسكرية المتناثرة في قمم الجبال المعزولة، والكف عن مطاردة عناصره المختفية في الكهوف او المختبئة في القرى الايرانية خلف الحدود، واعادة الملتحقين به من موظفين وجنود وشرطة الى اعمالهم ودوائرهم السابقة، وتحجيم دور خصمه العنيد جلال طالباني، وكان يقود جناحا حزبيا هو الاكبر والانشط والمتحالف مع بغداد، وله وزيران في الحكومة المركزية وقتئذ.

 

وقيل يومها ان المرحوم صدام حسين الذي وصفه بارزاني واتباعه حتى عام 1975 بانه مهندس بيان آذار ونصير الاكراد، اراد ان يسجل لنفسه دورا (تاريخيا) في توقيع البيان نيابة عن الحكومة العراقية، في مواجهة عسكر الحزب وفي مقدمتهم حردان التكريتي وصالح مهدي عماش، وكانا من دعاة الحسم العسكري لتمرد الملا مصطفى، وقد اكتشف صدام خطأه في مارس 1974، عندما اجتمع مع ولدي الملا الشابين ادريس ومسعود، للبحث في استكمال اجراءات الانتخابات العامة في المحافظات الكردية (اربيل والسليمانية ودهوك) وانشاء المجلسين التشريعي والتنفيذي للحكم الذاتي، كما نص عليهما بيان آذار 1970، وادرك متأخرا ان زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني واولاده، لا يريدون مؤسسات شعبية كردية ولا تشريعات قانونية منظمة ولا مجالس تشريعية وتنفيذية، وانما ابقاء الوضع في شمال العراق على حاله واستمرار الملا على زعامته، حتى وصل الامر بالاخير الى رفض تعيين احد انجاله، نائبا لرئيس الجمهورية، استنكافا بالمنصب، ورشح احد مساعديه من الفيليين بدلا منهما هو حبيب محمد كريم، الذي انشق هو الاخر عليه في عام 1977 وعاد من طهران الى بغداد نادما، وعين مفتشا عاما لمؤسسة ضريبة الدخل العراقية. 

 

لقد ترتب على خطأ الحكومة العراقية في توقيع بيان آذار مع  الملا مصطفى، ان الاخير استغل البيان ونجح خلال السنوات (1970 ـ 1974) من تثبيت قدميه كزعيم كردي وحيد تتعامل معه بغداد المركز، وبات يتصرف في المنطقة الكردية بتفرد ودكتاتورية، يطارد خصومه السياسيين ويهجر العشائر الكردية التي ترفض الانصياع له، ويطور علاقاته مع شاه ايران والموساد الاسرائيلي، ويخزن الاسلحة والمعدات العسكرية، ويستقدم خبراء ومدربين أجانب لتأهيل قوات البيش ميركة التابعة له، اضافة الى تلقيه ملايين  الدنانير من قيادة الحزب والثورة، كمساعدات ومنح، ايام كان الدينار العراقي يساوي اكثر من ثلاثة دولارات، وقد كشف سامي عبدالرحمن ورفيقه الدكتور محمود عثمان، وهما قطبان في حزب بارزاني قبل ان ينشقا عليه في عام 1976 عن حجم الاموال التي استحوذ عليها الملا واولاده، في كراس أصدراه، ووثقا فيه تفاصيل ذلك.

 

لقد آلت زعامة الحزب الديمقراطي الكردستاني الى مسعود بارزاني بالوراثة بعد رحيل والده في الولايات المتحدة الامريكية مريضا ومحبطا في عام 1979، ووفاة شقيقه ادريس في منتصف الثمانينات في ايران، وعرف بانه من دعاة التفاهم مع بغداد وله تصريحات موثقة عقب لقائه مع الرئيس الراحل صدام حسين في سبتمبر 1991 ببغداد، اشاد فيها بموقف الحكومة العراقية في دعم الاكراد، مؤكدا انها مستعدة لمنحهم نظاما سياسيا، أعلى من الحكم الذاتي ويلامس النظام الفدرالي، معترفا في الوقت نفسه بان واشنطن رفضت العرض الحكومي (الجيد) حسب وصفه، بتحريض من جلال طالباني، كما اننا نتذكر استغاثته بالجيش العراقي لتحرير اربيل من احتلال الايرانيين واتباع طالباني في 31 اغسطس 1996 وكيف تصرف الفريق سلطان هاشم وزير الدفاع والفريق عبدالواحد شنان آل رباط رئيس اركان الجيش حينذاك في بسط الامن واعادة الاستقرار الى المدينة الكردية، وسلماها بالحفظ والصون الى مسعود، بعد ان حافظا على حياة افراد عائلة طالباني وقيادات حزبه فيها، ومن ضمنهم رئيس الجمهورية الحالي فؤاد معصوم، الذي كان يشغل رئاسة حكومة اربيل المحلية، ووفرا لهم الحماية وعدم المساس بهم من خصومهم البارتيين.

 

ولعلها من المفارقات ان يتشدد مسعود بارزاني هذه الايام ويطالب باجراء استفتاء كردي والانفصال عن العراق، وهو الى سنوات قليلة مضت كان ينادي بان خيار الاكراد الاحسن والافضل ان يبقوا تحت خيمة العراق، كأقليم له خصوصيته وحقوقه، ومع ذلك فليس هناك اعتراض من عرب العراق، على الاستفتاء الكردي وحق تقرير المصير وانشاء دولة  مستقلة، اذا قامت في المناطق الكردية المعروفة بحدودها الادارية قبل التاسع من ابريل 2003 بلا قضم مدن وبلدات عربية وتركمانية ومسيحية ويزيدية في كركوك والموصل وصلاح الدين وديالى، والا فان حربا ستنشب لا شك في وقوعها، ستكون اشد واقسى من معارك الاربعينات والستينات والسبعينات، وسيكون ضحيتها الاكراد قبل غيرهم، وهم محصورن في جيب لا منافذ له ولا مخارج، وبدون دعم من الجوار والخارج، واكثر ما نخشاه ان تتحق نبوءة جلال طالباني التي اطلقها ابان حرب (ام الكمارك) مع بارزاني عام 1995 عندما قال: سيأتي يوم لا يستطيع مسعود ان يرى اربيل حتى في الاحلام..!  




التعليقات

إضافة تعليق

الاسم  
التعليق